تستعد الجزائر لدخول مرحلة جديدة في استغلال ثرواتها المنجمية، مع اقتراب إطلاق أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في قطاع الفوسفات، حيث أعلن رئيس ديوان كاتبة الدولة للمناجم، جمال الدين شوتري، مؤخرا، عن الشروع في استغلال منجم بلاد الحدبة نهاية أفريل 2026، في خطوة تعكس تحوّلا نوعيا نحو تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز موقع الجزائر في الأسواق العالمية، خاصة مع امتلاكها احتياطات ضخمة تؤهلها لتكون فاعلا رئيسيا في سوق الأسمدة والمعادن.
شهدت سنة 2025 وضع آخر اللمسات على المشروع المدمج لاستخراج الفوسفات ببلاد الحدبة بولاية تبسة، وهو المشروع الذي يحظى بمتابعة مباشرة من السلطات العليا في البلاد، بالنظر إلى طابعه الاستراتيجي ودوره المنتظر في إعادة رسم خريطة الاستثمار المنجمي في الجزائر.
ويقوم هذا المشروع على منظومة متكاملة تشمل استغلال المنجم وربطه بالبنية التحتية للنقل، من خلال خط سكة حديدية يمتد على مسافة 422 كلم، يربط موقع الإنتاج بميناء عنابة، ما يسمح بتسهيل عمليات نقل الفوسفات وتصديره نحو الأسواق الدولية في ظروف لوجستية ملائمة.
كما تم خلال السنة ذاتها فتح نفق استخراج الفوسفات، في مؤشر واضح على دخول المشروع مراحله النهائية، خاصة بعد تسريع وتيرة الإنجاز تنفيذاً لتعليمات رئيس الجمهورية، التي شددت على ضرورة استلام المشروع في أقرب الآجال ووضعه حيز الخدمة الفعلية.
أرقام ضخمة.. الجزائر على أعتاب قفزة إنتاجية
تعوّل الجزائر على هذا المشروع لتحقيق قفزة نوعية في إنتاج الفوسفات، حيث يرتقب أن ترتفع القدرة الإنتاجية من 2.5 مليون طن سنوياً إلى أكثر من 10.5 ملايين طن، ما يعزز مكانة البلاد ضمن كبار المنتجين عالمياً ويفتح أمامها آفاقاً واسعة في سوق الأسمدة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن الجزائر تستعد لإطلاق مشاريع اقتصادية حيوية ستدخل حيز الإنتاج قريباً، مشيراً إلى أن مشروع الفوسفات يعد من بين أهم هذه المشاريع، بطاقة إنتاجية قد تصل إلى 10 ملايين طن سنوياً موجهة نحو الأسواق العالمية.
وتشير المعطيات الجيولوجية إلى أن الجزائر تمتلك احتياطات تفوق 3 مليارات طن من الفوسفات، أغلبها متمركزة شرق البلاد، خاصة بمنجم بلاد الحدبة الذي يحتوي وحده على نحو 1.2 مليار طن، وهو ما يضمن استغلالاً طويل الأمد قد يمتد لأكثر من 80 سنة.
رهان اقتصادي واجتماعي.. نحو تقليص التبعية النفطية
لا يقتصر أثر مشروع الفوسفات على الجانب الإنتاجي فقط، بل يمتد ليشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية واسعة، حيث يمثل أحد الركائز الأساسية في استراتيجية تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على عائدات المحروقات.
ويُنجز هذا المشروع الضخم بأيادٍ جزائرية خالصة، في إطار شراكة بين مجمعي سوناطراك وسوناريم، وبمساهمة كفاءات وطنية ونخب جامعية، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تثمين القدرات المحلية وتعزيز السيادة الصناعية في قطاع المناجم.
كما يُنتظر أن يساهم المشروع في خلق نحو 12 ألف منصب شغل مباشر، مع فتح آفاق واسعة أمام شباب ولايات الشرق، على غرار تبسة وسوق أهراس وعنابة وسكيكدة، بما يدعم التنمية المحلية ويمنح دفعة قوية لسوق العمل، خاصة في التخصصات المرتبطة بالمناجم والتكنولوجيا والبنية التحتية.



