تُعد شركة بروتون (Proton)، التي تحدث عنها السفير الماليزي لدى الجزائر في حواره الأخير، واحدة من أبرز التجارب الصناعية الناجحة في العالم الإسلامي في مجال صناعة السيارات، إذ تمثل اليوم رمزًا للصناعة الوطنية الماليزية ونموذجًا للتحول من الاستهلاك إلى الإنتاج.
تأسست الشركة سنة 1983 بمبادرة من الحكومة الماليزية، في سياق رؤية استراتيجية هدفت إلى بناء صناعة سيارات محلية تقلّص التبعية للخارج وتخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، لتصبح بذلك أول علامة سيارات وطنية في ماليزيا.
ومنذ انطلاقتها، اعتمدت بروتون في بداياتها على شراكة تقنية مع شركة ميتسوبيشي اليابانية، حيث أنتجت أولى طرازاتها اعتمادًا على منصات جاهزة، وهو خيار سمح لها باكتساب الخبرة الصناعية وتكوين الكفاءات المحلية.
غير أن الشركة سرعان ما انتقلت إلى مرحلة أكثر استقلالية، عبر تطوير نماذجها الخاصة وتوسيع قدراتها في التصميم والهندسة، لتفرض نفسها تدريجيًا في السوق الماليزية وأسواق جنوب شرق آسيا بسيارات عملية تنافس من حيث الجودة والسعر.
وشكل عام 2017 محطة مفصلية في تاريخ بروتون، بعد دخول مجموعة جيلي الصينية (Geely Holding) كشريك استراتيجي بحصة تقارب 50 بالمائة من رأس المال، وهو ما منح الشركة دفعة تكنولوجية قوية، خاصة في مجالات المحركات الحديثة، وأنظمة السلامة، والتصميم الرقمي.
هذا التحالف مكّن بروتون من تحديث منتجاتها وإطلاق جيل جديد من السيارات، من بينها طرازات X50 وX70 وS70 وX90، التي حققت انتشارًا واسعًا في السوق المحلية وأسواق التصدير.
وتتميّز تجربة بروتون بتركيزها على السيارات ذات التكلفة المعقولة، وهو ما يجعلها قريبة من احتياجات الطبقة المتوسطة، مع الحفاظ على مستوى جيد من التجهيزات التقنية مثل الشاشات الرقمية، وأنظمة المساعدة على القيادة، وكاميرات الرؤية الخلفية.
هذا التوجه ينسجم مع ما أشار إليه السفير الماليزي بخصوص رغبة الشركة في توفير مركبات تناسب المستهلك الجزائري من حيث السعر والوظيفة، خاصة في فئة السيارات الحضرية الصغيرة والسيارات العائلية الاقتصادية.
وفي السنوات الأخيرة، دخلت بروتون أيضًا مرحلة جديدة من التحول الصناعي، عبر التوجه نحو السيارات الكهربائية والهجينة، ضمن استراتيجية مواكبة التحولات العالمية في قطاع النقل والطاقة النظيفة.
وقد شرعت الشركة في تطوير خطوط إنتاج مخصصة لهذا الصنف من المركبات، مستفيدة من الدعم الحكومي الماليزي وخبرة شريكها الصيني، ما يعكس استعدادها للاندماج في مستقبل صناعة السيارات عالميًا.
وتحضر بروتون اليوم في عدة أسواق خارج ماليزيا، من بينها مصر وبعض دول آسيا، وتسعى إلى توسيع حضورها في إفريقيا، وهو ما يفسر اهتمامها بالسوق الجزائرية كبوابة صناعية نحو القارة.
فوفق الرؤية التي عبّر عنها السفير الماليزي، لا تنظر بروتون إلى الجزائر كسوق استهلاكية فقط، بل كموقع استراتيجي للإنتاج والتصدير، بما يسمح بنقل التكنولوجيا وتكوين اليد العاملة المحلية وبناء صناعة سيارات مستدامة.
وتكشف تجربة بروتون أن بناء صناعة سيارات وطنية ممكن عندما تتوفر الرؤية، والإرادة السياسية، والشراكات الذكية، وهو ما يجعلها نموذجًا ملهمًا للجزائر في مسارها نحو تطوير صناعة ميكانيكية محلية قوية.
ومع الاهتمام المتزايد الذي تبديه الشركة بالسوق الجزائرية، تبرز بروتون كأحد المشاريع الصناعية الواعدة التي قد تفتح مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين البلدين، قائمة على الإنتاج لا الاستيراد، وعلى نقل الخبرة بدل الاكتفاء بالاستهلاك.



