دخلت أسواق الطاقة العالمية في الثاني من مارس 2026 نفقاً مظلماً من عدم اليقين، حيث سجلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزة جنونية تجاوزت 25%، ليصل سعر العقود الآجلة في مؤشر “تي تي إف” الهولندي إلى مستويات قياسية لامست 44 يورو لكل ميغاواط ساعة.
ويُعد هذا الانفجار السعري انعكاساً مباشراً لحالة الذعر التي سادت الأوساط الاقتصادية عقب تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، وتحول الممرات المائية الحيوية إلى ساحات اشتباك مفتوحة هددت بقطع شريان الغاز المسال العالمي.
وجاء هذا التصعيد الدراماتيكي بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت ناقلات الطاقة في مضيق هرمز وقبالة سواحل عمان، مما دفع كبرى شركات الشحن العالمية إلى تعليق رحلاتها عبر الممر الذي يعبر منه نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال في العالم.
وما زاد من حدة الأزمة هو قرار بعض المنتجين الرئيسيين في الخليج تعليق الإنتاج مؤقتاً لأسباب أمنية، مما أطلق موجة من التوقعات المتشائمة التي تشير إلى احتمال تضاعف الأسعار بنسبة 130% في حال استمرار الانسداد الملاحي لأكثر من شهر.
مكاسب الجزائر.. السيادة عبر “الأنابيب” بعيداً عن مخاطر البحار
في ظل هذا المشهد الملتهب، تبرز الجزائر كـ “الرابح الاستراتيجي” الأكبر، حيث تعزز هذه الأزمة موقعها كأكثر مورد طاقة موثوقية في حوض المتوسط.
فبينما تعاني أوروبا من تهديد انقطاع الغاز المسال القادم من وراء البحار، يتدفق الغاز الجزائري بانسيابية تامة عبر شبكة الأنابيب العابرة للقارات، بعيداً عن “حرب الناقلات” ومخاطر استهداف السفن.
هذا الوضع لم يرفع فقط من القيمة السوقية لصادرات الجزائر بنسب تاريخية، بل منحها “قوة ناعمة” هائلة في مفاوضات الطاقة مع القارة العجوز.
الأحداث الأخيرة تعزز للجزائر صفة الشريك الموثوق و “الملاذ الآمن” الوحيد لتعويض النقص الحاد في السوق الأوروبية، يضمن تدفقات مالية ضخمة من العملة الصعبة للخزينة العمومية، ويدعم الأريحية المالية للبلاد في مواجهة التحديات العالمية.
تنامي التأثير الجيوسياسي للجزائر.. “قوة ضاربة” تعيد رسم موازين الطاقة
ولم يعد الدور الجزائري في قطاع الطاقة مجرد رقم في معادلات التصدير، بل تحول إلى “ورقة جيوسياسية رابحة” أعادت صياغة موازين القوة في حوض المتوسط والقارة الأوروبية. ففي ظل الانهيارات التي تشهدها سلاسل التوريد العالمية واشتعال “حرب الناقلات” في الممرات المائية الحيوية، برزت الجزائر كـ “قطب استقرار استراتيجي” لا يمكن تجاوزه، حيث استثمرت بذكاء في موثوقية شبكة أنابيبها العابرة للقارات لتتحول إلى البديل الأكثر أماناً وجدوى.
هذا التموقع الجديد منح الدبلوماسية الجزائرية “نفساً طاقوياً” قوياً، مكّنها من فرض شروطها في المحافل الدولية وتعزيز سيادتها الاقتصادية، لتتحول من مورد تقليدي إلى “صانع قرار” محوري يمتلك مفافيح أمن الطاقة لشمال المتوسط، ويقود قاطرة التوازن داخل تكتلات كبرى مثل “أوبك بلس” ومنتدى الدول المصدرة للغاز.



