كشفت تقارير صحفية أجنبية أن الجزائر عززت موقعها ضمن كبار منتجي الهيليوم في العالم خلال عام 2024، حيث احتلت المرتبة الرابعة عالمياً إثر رفع إنتاجها بنحو ثلاثة ملايين متر مكعب، ليبلغ إجمالي الإنتاج أحد عشر مليون متر مكعب، من أصل إنتاج عالمي قُدّر بنحو مائة وثمانين مليون متر مكعب.
ويُستخرج الهيليوم في الجزائر كمنتج ثانوي عالي القيمة ضمن عمليات إنتاج الغاز الطبيعي المسال، لاسيما من حقل حاسي الرمل الذي يعد أحد أكبر حقول الغاز في العالم، بطاقة إنتاجية نظرية تُقدّر بنحو خمسين مليون متر مكعب سنوياً، ما يمنح الجزائر ثقلاً استراتيجياً استثنائياً بين الدول العربية والقوى الطاقوية العالمية.
عصب التكنولوجيا الحديثة: لماذا لا يستغني العالم عن الهيليوم؟
تتجاوز أهمية الهيليوم كونه غازاً نادراً إلى كونه العنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه في قلب الصناعات الدقيقة والمستقبل الرقمي؛ فهو يمثل “الذهب البارد” الذي يضمن استمرار ثورة الذكاء الاصطناعي من خلال دوره الحاسم في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية.
يوفر الهيليوم البيئة المبردة والخاملة الضرورية لحماية الدوائر المجهرية من التلف أثناء التصنيع، كما يمتد أثره الحيوي إلى القطاع الطبي المتقدم؛ إذ يعد السائل الوحيد في الكون القادر على تبريد مغناطيسات أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق. بالإضافة إلى ذلك، يعد الهيليوم ركيزة أساسية في صناعة الألياف الضوئية لشبكات الإنترنت فائقة السرعة، وقطاعات الفضاء والدفاع لتطهير وضغط خزانات وقود الصواريخ والأقمار الصناعية.
آفاق الريادة الاستراتيجية وتوطين التكنولوجيا في الجزائر
إن امتلاك الجزائر لثالث أكبر احتياطي عالمي من الهيليوم، والمقدر بنحو ثمانية فاصل اثنين مليار متر مكعب، يفتح أمامها آفاقاً ذهبية للتحول من مجرد مصدر للمادة الخام إلى مركز إقليمي للصناعات المعتمدة على الهيليوم. وساهم هذا في جذب الاستثمارات التكنولوجية الكبرى وتوطين تكنولوجيا الإسالة الدقيقة، وهو ما تجلى في مارس 2025 عبر توقيع اتفاقية استراتيجية مع شركة صينية لتعزيز التعاون التقني واستخلاص هذا المورد عالي القيمة، مما يضع الجزائر كضامن لاستقرار سلاسل الإمداد التكنولوجية في الأسواق الأوروبية والآسيوية، متقدمة على دول كبرى مثل روسيا وكندا والصين وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية.
خارطة الهيليوم العربي والمنافسة العالمية
بحسب تقارير وحدة أبحاث الطاقة، يشكّل إنتاج الجزائر وقطر مجتمعَين نحو اثنين وأربعين بالمائة من إجمالي إنتاج الهيليوم في العالم العربي. وتُقدَّر احتياطيات الهيليوم العربية بنحو ثمانية عشر فاصل ثلاثة مليار متر مكعب، ما يعادل ستة وثلاثين بالمائة من الاحتياطيات العالمية. وفي ظل هذه الهيمنة، بدأت دول عربية أخرى خطوات استكشافية طموحة، حيث وقع الأردن مذكرة تفاهم لاستكشاف الهيليوم في منطقة البحر الميت.



