الذهب والليثيوم والكوبالت.. كنز استراتيجي والجزائر أمام فرصة تاريخية

طاقة ومناجم

تتحول معادن أفريقيا اليوم إلى عنوان رئيسي في سباق عالمي محموم على التكنولوجيا والطاقة النظيفة، بعدما كشفت تقارير حديثة أن القارة تحتضن نحو 30% من احتياطات المعادن العالمية.

هذا الرقم يضع أفريقيا في قلب معادلة اقتصادية وجيوسياسية جديدة، حيث يتقاطع التحول الطاقوي مع الأمن القومي وموازين القوة الدولية.

من الذهب والماس إلى الكوبالت والليثيوم والنحاس واليورانيوم، تمتلك القارة مخزونا استراتيجيا يغذي الصناعات الحديثة، من البطاريات والسيارات الكهربائية إلى الألواح الشمسية والتقنيات الرقمية.

وتُظهر بيانات البنك الدولي أن صادرات المعادن تمثل أكثر من 70% من العائدات الوطنية في دول مثل الكونغو الديمقراطية وزامبيا، بينما تعتمد جنوب أفريقيا على الذهب والبلاتين لتأمين جزء مهم من احتياطاتها من العملة الصعبة.

هذه الأرقام تعكس حجم الرهان الاقتصادي، لكنها تكشف في الوقت ذاته هشاشة نموذج يعتمد أساسا على تصدير المواد الخام.

ورغم الطفرة العالمية في الطلب على “المعادن الخضراء”، لا تزال أكثر من 80% من صادرات المعادن الأفريقية تُباع في شكل خام إلى آسيا وأوروبا، وفق تقديرات حديثة. هذا الواقع يحرم القارة من القيمة المضافة المرتبطة بالتصنيع المحلي، ومن آلاف الوظائف التي يمكن أن تولدها الصناعات التحويلية، ليبقى الاقتصاد الأفريقي في حلقة “نصدّر الخام… ونستورد المصنع”، مع ما يرافق ذلك من تبعية تكنولوجية وضعف في سلاسل الإنتاج.

ولم يعد ملف التعدين شأنا اقتصاديا صرفا، بل أصبح في صلب الصراع الجيوسياسي. ففي النيجر، تحوّل اليورانيوم إلى محور تنافس بين قوى دولية تقليدية وأخرى صاعدة، بينما كشفت تجارب دول أخرى كيف يمكن أن تتحول الثروات المنجمية إلى عامل تأجيج للنزاعات الداخلية إذا غابت الحوكمة والشفافية.

ومع تصاعد الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في الانتقال الطاقوي، تتضاعف الضغوط على الدول الأفريقية لضبط التوازن بين استغلال الثروات وحماية السيادة الوطنية.

ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة. فالجزائر، التي تسعى إلى تنويع اقتصادها وتقليص الاعتماد على المحروقات، تملك بدورها إمكانات منجمية معتبرة، سواء في الحديد أو الفوسفات أو المعادن النادرة.

ومع الحديث المتزايد عن مشاريع كبرى في قطاع المناجم، يبرز السؤال نفسه: هل ستنجح في بناء صناعات تحويلية تخلق قيمة مضافة حقيقية داخل البلاد؟

إن التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية لا يعني فقط سباقا على التكنولوجيا، بل سباقا على المواد الخام التي تغذي هذه التكنولوجيا.

وإذا تمكنت الدول الأفريقية، ومنها الجزائر، من تطوير سياسات صناعية واضحة، وجذب استثمارات نوعية، وفرض نسب إدماج محلية حقيقية، فإن قطاع التعدين يمكن أن يتحول من “لعنة الموارد” إلى قاطرة تنموية تعيد رسم خريطة الاقتصاد الوطني.

تقف أفريقيا اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تبقى “منجما مفتوحا” يزوّد العالم بالمواد الخام، أو أن تتحول إلى شريك صناعي كامل في سلاسل التوريد الدولية.

والجزائر، بحكم موقعها الجغرافي ووزنها الاقتصادي، معنية مباشرة بهذه المعادلة، حيث يمكن أن يشكل قطاع المناجم أحد مفاتيح مرحلة اقتصادية جديدة تتجاوز منطق الريع نحو منطق التصنيع والسيادة الاقتصادية.