لطالما مثّل سوق قطع غيار السيارات، وخاصة بطاريات المركبات، عبئا ثقيلا على كاهل المستهلك الجزائري وعلى فاتورة الاستيراد الوطنية نتيجة تقلبات الأسعار وتذبذب وفرة العلامات العالمية عالية الجودة.
إلا أن مخرجات منتدى برلين الاقتصادي الأخير حملت معها انفراجة حقيقية؛ حيث توجت الاتفاقيات الموقعة بين شركة “Friction Tec” الجزائرية والعملاق الألماني “MOLL Batterien” بوضع حجر الأساس لإنهاء التبعية للخارج، مما يطرح تساؤلاً جوهريا في الأوساط الاقتصادية: هل تقترب الجزائر فعليا من تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع الاستراتيجي؟
سد الفجوة الطاقوية ومواكبة ثورة مصانع السيارات الجديدة
تأتي هذه الشراكة الجزائرية-الألمانية في توقيت حسّاس جدا يتزامن مع القفزة الكبيرة التي يشهدها قطاع تركيب وتصنيع السيارات في الجزائر (مع التوسع المستمر لمصانع “فيات” والخطط المتقدمة لعلامات مثل “أوبل” و”شيري”).
هذه المصانع تحتاج إلى شبكة مناولة محلية قوية لتلبية دفاتر الشروط التي تفرض نسب إدماج وطنية عالية. إن توسيع الشراكة مع علامة “MOLL” العريقة، التي تعد المورد التاريخي لمجمعات صناعية كبرى في أوروبا، يعني أن المصانع القائمة على أرض الجزائر ستتمكن من التزود ببطاريات مطابقة للمواصفات العالمية ومصنعة محليا بنسبة 100%، مما يسرع من وتيرة خروج السيارات الوطنية بأسعار تنافسية.
اقرأ أيضا: برخصة ألمانية.. خطة الجزائر لتصدير بطاريات السيارات نحو الأسواق الدولية
كيف ستؤثر هذه الشراكة على الأسعار ووفرة المنتج محليا؟
من المتوقع أن تنعكس هذه الاتفاقية التجارية وتوسيع خطوط الإنتاج المشتركة إيجابا على السوق المحلية عبر عدة محاور تهم المواطن والمستثمر بشكل مباشر:
- كسر احتكار المنتجات المستوردة: توفير بطارية ذات جودة ألمانية رفيعة ومصنعة محلياً سيقلل الطلب على المنتجات المستوردة التي تكلف خزينة الدولة مبالغ ضخمة بالعملة الصعبة، ويحمى السوق من قطع الغيار المغشوشة أو رديئة الصنع.
- استقرار الأسعار وانخفاضها التنافسي: بفضل تصنيع البطاريات محلياً والاستفادة من المزايا التنافسية للجزائر (مثل انخفاض تكاليف الطاقة وفرص الإعفاءات الجمركية للمكونات المحلية)، ستشهد أسعار بطاريات السيارات محلياً استقراراً ملحوظاً، لتصبح في متناول المستهلك مقارنة بالبطاريات المستوردة بالكامل التي تخضع لتقلبات أسعار الصرف والشحن الدولي.
- تغطية شاملة لمختلف الأصناف: الشراكة تضمن توفير بطاريات لمختلف أنواع المركبات، سواء سيارات الوزن الخفيف، المركبات النفعية، أو حتى الجيل الجديد من السيارات الهجينة التي تتطلب تكنولوجيا تخزين طاقة متقدمة.
اقرأ أيضا: بعد اتفاق برلين.. كيف ستنقل ألمانيا تكنولوجيا بطاريات السيارات العملاقة إلى الجزائر؟
نحو سيادة صناعية كاملة في قطاع السيارات
يتبين أن الشراكة المتكاملة بين Friction Tec و MOLL الألمانية تتجاوز مجرد اتفاق تجاري عابر، لتشكل خطوة محورية نحو تحقيق السيادة الصناعية والاكتفاء الذاتي للجزائر في أحد أكثر القطاعات حيوية.
إن القدرة على تلبية احتياجات السوق الوطنية من بطاريات السيارات فائقة الجودة وبسواعد وخبرات محلية معززة بالتكنولوجيا الألمانية، تثبت أن الرؤية الاقتصادية الجديدة للبلاد تسير بخطى ثابتة ومدروسة لتأمين سلاسل الإمداد الداخلية كلياً.
ومن زاوية العوائد المستدامة، فإن الوصول إلى عتبة الاكتفاء الذاتي سيوفر حماية متينة للمستهلك الجزائري من الصدمات السعرية الخارجية، ويساهم في الحفاظ على التوازنات المالية للبلاد من خلال تقليص غلاف الاستيراد الخاص بقطع الغيار.
كما أن هذا الإنجاز سيمهد الطريق بثقة أكبر لفتح جبهات التصدير الإقليمية، محولاً المنتج الجزائري من خيار بديل في السوق المحلية إلى منافس شرس يفرض جودته في الأسواق الدولية.



