تستعد السوق الوطنية لقطع الغيار ومستلزمات السيارات لإنهاء واحدة من أعقد أزمات الندرة والمضاربة التي أرهقت المهنيين والمواطنين على حد سواء، وذلك مع اقتراب العد التنازلي لدخول “خطة سبتمبر” الاستراتيجية حيز التنفيذ.
الخطة المشتركة التي تقودها شركة “نفطال” بالتنسيق مع الشريك الصناعي المحلي مجمع “إيريس”، لن تكتفي بضخ ملايين الوحدات في السوق، بل تؤسس لهندسة توزيع رقمية وصارمة تهدف إلى تجفيف منابع الأسواق الموازية وضمان وصول الدعم والسلع لمستحقيها الفعليين من ناقلي البضائع، المسافرين، وأصحاب سيارات الأجرة.
هندسة الاستيراد والتصنيع المحلي.. تحالف “العام والخاص” لكسر احتكار الندرة
وتستند ملامح هذه الانفراجة التجارية المرتقبة إلى نجاح “نفطال” في إنهاء إجراءات المناقصة الدولية الثانية، والتي أسفرت عن اختيار 13 متعاملاً أجنبياً لتزويد الحظيرة الوطنية بكميات إضافية معتبرة من العجلات المطاطية ابتداءً من شهر سبتمبر القادم، كجزء من برنامج أوسع لاقتناء 3.5 مليون عجلة مطاطية. هذا الإمداد الخارجي الضخم لن يشتغل بمفرده، بل سيتكامل ميكانيكياً مع التزام مجمع “إيريس” (الرائد الوطني في هذه الصناعة) برفع الحصة والتدفقات المخصصة لصالح “نفطال” من العجلات المحلية التي تتميز بالتنافسية والجودة العالية، مما يخلق درعاً مزدوجاً يوازن بين تشجيع المنتج الوطني وتأمين الحاجيات المستعجلة للسوق الفورية.
ولا تتوقف الأبعاد الاقتصادية لهذه الخطوة عند حدود الضخ الكمي، بل تتعداها إلى محاربة الممارسات غير القانونية والضرب على أيدي المضاربين من خلال مقاربة تشاركية اعتمدتها الإدارة العامة لـ “نفطال” تحت إشراف رئيسها المدير العام جمال شردود، ونائب رئيس مجمع “إيريس” جمال قيدوم. حيث تم الاتفاق مع النقابات المهنية للناقلين وسائقي الأجرة على إنشاء فريق عمل مشترك يتولى المتابعة اللوجستية الميدانية لتنفيذ الاتفاقيات، وهو ما يحول العلاقة بين القطاعين العام والخاص والنقابات من مجرد عقود ورقية إلى جبهة موحدة لضمان شفافية التموين وتوفير العجلات بأسعارها الحقيقية المقننة.
وتثبت الأرقام الأخيرة المحققة ميدانياً قدرة شركة “نفطال” على المرافقة الفعلية للمهنيين؛ إذ نجحت مصالحها في معالجة والاستجابة لأكثر من 4000 طلب صادر عن سائقي سيارات الأجرة والناقلين خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط، بحسب تصريحات ممثلي النقابة الوطنية للناقلين والاتحاد الوطني للناقلين. هذه الديناميكية المسبقة تؤكد أن البنية التحتية اللوجستية للمؤسسة قادرة على استيعاب وإدارة التدفقات الجديدة المرتقبة في الخريف القادم، مما يبدد المخاوف من حدوث اختناقات في عمليات الشحن أو التخزين عبر المراكز الجهوية.
مربع الشراكة الاستراتيجية.. كيف يدعم الإنتاج المحلي لـ “إيريس” توازن السوق؟
يتجاوز دور مجمع “إيريس” في هذه الاتفاقية مجرد كونه مورداً تجارياً عادياً، ليصبح بمثابة “صمام الأمان الإنتاجي محلياً” الذي يعول عليه المخطط الاقتصادي لتحقيق الاكتفاء الذاتي؛ فالمجمع يمتلك المصنع الجزائري الخاص الوحيد المتخصص في إنتاج عجلات السيارات والشاحنات بمواصفات تكنولوجية عالمية. والتزام المجمع برفع الحصة والتدفقات الموجهة حصرياً لشبكة “نفطال” يضمن تأمين معروض دائم من المنتج الوطني الذي يتميز بالتنافسية السعرية والجودة العالية، وهو ما يدعم مباشرة جهود الدولة في ترقية التنافسية الصناعية وتقليص فاتورة استيراد قطع الغيار ومستلزمات النقل.
وعلى جبهة الحوكمة، يمثل حضور مجمع “إيريس” في الاجتماعات التنسيقية المشتركة رفقة النقابات المهنية تجسيداً فعلياً لنموذج الشراكة الناجحة بين القطاعين العام والخاص لتنظيم السوق الوطنية؛ حيث أثمر هذا التنسيق عن إنشاء فريق عمل تقني موحد يتولى المتابعة اللوجستية وتوقع حجم الطلب الفعلي لأصحاب سيارات الأجرة وناقلي البضائع. هذا الترابط الميداني يمنع حدوث أي فجوة في التموين بين ما ينتجه المصنع المحلي وما يتم استيراده عبر المناقصات الدولية، مما يتيح للمؤسستين المناورة اللوجستية السريعة وتوجيه الشحنات نحو الولايات التي تشهد طلباً متزايداً قبل حدوث أي عجز.
وفي مسار كبح جماح السوق الموازية، يسهم ضخ “إيريس” لإنتاجه مباشرة لصالح “نفطال” في قطع الطريق أمام شبكات الوسطاء وسماسرة الجملة الذين كانوا يعمدون إلى احتكار العجلات ورفع أسعارها في السوق السوداء. فتحويل هذه الحصص الإضافية نحو مراكز التوزيع المعتمدة ونقاط الاستلام المربوطة رقمياً، يضمن وصول العجلة المصنعة محلياً من خطوط الإنتاج إلى عجلات شاحنات وحافلات النقل بالأسعار الشرعية المقننة؛ مما يشكل ضربة موجعة للمضاربة، ويحصن القدرة الشرائية للمهنيين، ويؤكد قدرة المؤسسات الوطنية على فرض الشفافية في عز التقلبات التجارية.
الرقمنة الإلزامية عبر e-mahata.. السلاح السري لتجفيف قنوات السوق السوداء
يمثل الإعلان عن تدعيم شبكة التوزيع بإضافة 220 نقطة استلام جديدة عبر مختلف ولايات الوطن تحولاً جذرياً في أسلوب البيع التقليدي؛ فالنقاط الجديدة ستكون مخصصة حصرياً لخدمة الزبائن والمهنيين الذين يقومون باقتناء عجلاتهم عبر المنصة الرقمية المحدثة (e-mahata.naftal.dz). هذه الرقمنة الصارمة لعمليات البيع ترفع قدرات التوزيع اليومية للمؤسسة إلى عتبة 6000 عجلة يومياً عبر كامل التراب الوطني، مما يضمن تقريب الخدمة من المواطن في أبعد النقاط الداخلية، ويمنع في الوقت ذاته الطوابير أو المحاباة في التوزيع.
إن الاعتماد على منصة e-mahata الرقمية كبوابة وحيدة للاستفادة من المعروض المليوني الجديد، يحمل دلالة أمنية واقتصادية سيادية؛ فالمنصة تفرض تسجيل البيانات الرقمية للمركبة، بطاقة الاستغلال للمهنيين، والترقيم الضريبي، مما يعني أن كل عجلة مطاطية تخرج من مخازن “نفطال” أو مصانع “إيريس” ستكون “مُعرفة رقمياً” ومربوطة بمركبة محددة. هذا التتبع الإلكتروني الصارم يلغي تماماً إمكانية قيام شبكات التخزين العشوائي بشراء كميات كبيرة وإعادة بيعها في الأسواق الموازية بضعف سعرها، وهو ما يمثل تجسيداً فعلياً لتوجهات الدولة لرقمنة قطاع التجارة وحماية القدرة الشرائية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن رفع وتيرة التوزيع اليومي إلى 6000 عجلة بالتزامن مع توفير نقاط استلام مرنة سيسهم في خفض تكاليف الصيانة والتشغيل لمركبات النقل العمومي وبث الاستقرار في تسعيرات نقل المسافرين والبضائع لعام 2026. فالوصول السلس للعجلات المطاطية الأصلية يحمي حظيرة النقل الوطنية من خطر الحوادث الناتجة عن العجلات المغشوشة أو المهترئة، ويقلل من فترات توقف الشاحنات وحافلات النقل بسبب ندرة قطع الغيار، مما ينعكس إيجاباً على مرونة وانسيابية الحركة التجارية والاقتصادية بين مختلف الولايات.
ترقية المنتج الوطني وتحصين السيادة التجارية ضد التقلبات الدولية
وتبرهن الشراكة الاستراتيجية المتجددة بين “نفطال” ومجمع “إيريس” على أن نمط النمو الاقتصادي الجزائري الجديد لعام 2026 أصبح يعتمد على التكامل الصناعي الداخلي كأولوية قصوى. إن اللجوء المؤقت للاستيراد عبر المناقصات الدولية لضخ 3.5 مليون عجلة هو إجراء حمائي مستعجل لتنظيم وتوازن السوق وتلبية الاحتياجات المتزايدة، لكن الهدف الأساسي بعيد المدى يظل تعزيز قدرات المصانع المحلية على تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل وصياغة مصفوفة أمان صناعي تحمي البلاد من تقلبات الأسواق العالمية وسلاسل التوريد المضطربة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام فريق العمل المشترك المنشأ حديثاً بين المؤسستين هو الحفاظ على استدامة هذا التنسيق اللوجستي، ومواصلة تطوير وتحديث الخدمات الرقمية للمنصة لتستوعب الأعداد المتزايدة من الزبائن. إن الانفتاح الدائم والدوري على الحوار البناء مع الشركاء الاجتماعيين والنقابات المهنية يمثل أسلوب حوكمة عصري يضمن استباق الأزمات وحلها في غرف التشاور بدل تركها تتفاقم في الميدان، لتؤكد “نفطال” مجدداً ريادتها كقاطرة خدماتية تلتزم بترقية المنتج الوطني، وعصرنة مناخ الأعمال، وخدمة زبائنها بأعلى معايير الشفافية والمسؤولية المشتركة.



