تفتح الصين أبوابها أمام 53 دولة إفريقية بإعفاء جمركي كامل، في خطوة قد تعيد رسم خريطة التدفقات التجارية بين القارة السمراء وثاني أكبر اقتصاد في العالم. وبين هذه الدول، تبرز الجزائر كواحدة من المعنيين مباشرة بهذا القرار، ما يطرح سؤالا اقتصاديا مهما: هل الجزائر أمام فرصة حقيقية لاختراق السوق الصينية بقوة؟
القرار الذي أعلنت عنه بكين يقضي بتطبيق تعريفة جمركية صفرية على الواردات القادمة من الدول الإفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية معها، وهو ما يشمل عمليًا جميع دول القارة باستثناء إسواتيني.
ووفق ما نقلته وسائل إعلام صينية رسمية، فإن السياسة الجديدة تهدف إلى تسهيل دخول المنتجات الإفريقية إلى السوق الصينية وتعزيز الشراكة الاقتصادية ضمن توجه صيني أوسع لتعميق الانفتاح التجاري على إفريقيا.
ويمثل هذا الإجراء توسعة لسياسات التعرفة الصفرية التي اعتمدتها الصين في مراحل سابقة، لكنه هذه المرة يأتي بصيغة أشمل وأوسع نطاقًا، بما يمنح الدول الإفريقية منفذًا مباشرًا إلى سوق يفوق تعداد مستهلكيه 1.4 مليار نسمة.
وتراهن بكين من خلال هذه الخطوة على تحفيز التجارة الثنائية، وزيادة تدفقات المنتجات الزراعية والمواد الأولية والسلع الصناعية الخفيفة القادمة من القارة.
بالنسبة للجزائر، يكتسي القرار بعدًا استراتيجيًا، خاصة وأن الصين تُعدّ أصلًا من أبرز شركائها التجاريين.
غير أن طبيعة المبادلات الحالية تميل بقوة لصالح الواردات الجزائرية من الصين، ما يجعل الإعفاء الجمركي فرصة لإعادة التوازن عبر تعزيز الصادرات نحو هذا السوق الضخم، خصوصًا في ظل توجه الدولة نحو رفع قيمة الصادرات خارج المحروقات.
المنتجات الجزائرية القابلة للاستفادة من هذا الانفتاح لا تقتصر على المحروقات، بل تمتد إلى الفوسفات ومشتقاته، الأسمدة، المنتجات الفلاحية ذات القيمة المضافة، التمور، وبعض الصناعات التحويلية التي بدأت تشق طريقها نحو الأسواق الخارجية. ومع غياب الحواجز الجمركية، تصبح المنافسة مرتبطة أكثر بمعايير الجودة والقدرة اللوجستية والتسويق التجاري.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بوجود فرصة، بل بمدى جاهزية النسيج الاقتصادي الوطني لاستغلالها. فالدخول إلى السوق الصينية يتطلب التزامًا صارمًا بالمعايير الصحية والفنية، وتطوير شبكات توزيع وشراكات تجارية فعالة، وهو ما يفرض على المتعاملين الجزائريين الانتقال من منطق التصدير الظرفي إلى منطق التموضع طويل الأمد.
في حال نجحت الجزائر في تحويل هذا الإعفاء الجمركي إلى عقود تصدير مستدامة، فإن السوق الصينية قد تتحول إلى رافعة حقيقية لتنويع العائدات وتقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية.



