مشروع ضخم قد يجعل الجزائر قطبًا إقليميًا لصناعة الأسمدة

صناعة

تتجه الجزائر بخطوات مدروسة نحو توطين مشروع صناعي فلاحي ضخم بالشراكة مع شركة آسيوية عملاقة، في مسعى يعكس تحولا أعمق في مقاربة الأمن الغذائي، يقوم على تثمين الموارد الطبيعية محليا وبناء صناعة مدخلات فلاحية قادرة على دعم الإنتاج الوطني بشكل مستدام، بدل الاكتفاء بالاستيراد أو الحلول الظرفية.

وفي هذا السياق، بحث المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، عمر ركاش، مؤخرا، مع نائب وزير الفلاحة الإندونيسي سوداريونو، رفقة وفد عن شركة “بوبوك إندونيسيا”، آفاق تجسيد مشروع لإنتاج الأسمدة في الجزائر، اعتمادا على الفوسفات والأزوت واليوريا والأمونيا، وهي مواد تتوفر الجزائر على جزء معتبر من مكوناتها الأساسية، ما يمنح المشروع بعدا استراتيجيا يتجاوز الطابع الصناعي البحت.

وتعد “بوبوك إندونيسيا” من أبرز المجموعات الصناعية في آسيا في مجال الأسمدة والمبيدات، بطاقة إنتاجية تقارب 22 مليون طن سنويا، ولها سجل لافت في دعم تحقيق الاكتفاء الذاتي من محاصيل استراتيجية مثل الأرز والذرة في إندونيسيا، إحدى أكبر اقتصادات رابطة الآسيان وأقوى 20 اقتصادا في العالم، وهو ما يعكس حجم الخبرة التقنية والتنظيمية التي يمكن نقلها إلى السوق الجزائرية.

ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها سوق الأسمدة عالميا، حيث باتت أسعار المدخلات الزراعية عاملا حاسما في تحديد كلفة الإنتاج الفلاحي وقدرته التنافسية.

ومن شأن توطين صناعة الأسمدة محليا أن يساهم في استقرار الإمدادات، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، وتعزيز قدرة الفلاح الجزائري على التخطيط طويل المدى، خاصة في الشعب الاستراتيجية كالقمح والحبوب والخضر الصناعية.

كما يندرج المشروع ضمن مسار بدأ منذ سنة 2024 عبر سلسلة مشاورات مع الشركة الآسيوية، ويأتي في إطار استراتيجية أوسع لاستقطاب استثمارات أجنبية مباشرة ذات قيمة مضافة عالية، تقوم على نقل التكنولوجيا وبناء سلاسل إنتاج متكاملة، بدل الاقتصار على أنشطة تجميعية محدودة الأثر. فإنتاج الأسمدة محليا يعني تثمين الفوسفات الجزائري، وربطه بالغاز الطبيعي، وتطوير صناعة تحويلية قادرة على خلق مناصب شغل وتحريك نسيج صناعي موازٍ.

وفي حال تجسيده، قد يشكل المشروع خطوة مفصلية في إعادة هندسة المنظومة الفلاحية من المنبع، عبر التحكم في مدخلات الإنتاج قبل الحديث عن مضاعفة الغلال أو توسيع المساحات المزروعة.

فالأمن الغذائي لا يبدأ من الحقل فقط، بل من المصنع الذي ينتج السماد، ومن الشراكات التي تعزز السيادة الصناعية، وهو ما يجعل هذه الخطوة مؤشرا إيجابيا على توجه استراتيجي طويل المدى يعيد رسم ملامح الفلاحة الجزائرية في السنوات المقبلة.