من الطاقة إلى الغذاء.. هل تصل تداعيات حرب إيران إلى إفريقيا؟

طاقة ومناجم

تتسع تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط لتطال اقتصادات القارة الأفريقية بشكل مباشر، مع تحذيرات متزايدة من تحول الصدمة الطاقوية والتجارية إلى أزمة معيشية واسعة، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية وتزايد الضغوط على العملات والتمويل، ما يضع القارة أمام اختبار اقتصادي جديد في مرحلة لا تزال فيها تتعافى من آثار جائحة كورونا.

وتشير تقديرات تقرير مشترك صادر عن البنك الأفريقي للتنمية ومفوضية الاتحاد الأفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا إلى أن استمرار الصراع لمدة ستة أشهر قد يؤدي إلى اقتطاع نحو 0.2 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للقارة، والذي يُقدّر بحوالي 4% خلال العام الجاري، في مؤشر على هشاشة الاقتصادات الأفريقية أمام الصدمات الخارجية.

وتنتقل تأثيرات الأزمة عبر ثلاث قنوات رئيسية، تبدأ بالتجارة الدولية، خاصة عبر مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20% من شحنات النفط العالمية، حيث يؤدي أي اضطراب في هذا الممر الحيوي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتحويل مسارات الشحن، ما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وكلفة السلع المستوردة في الدول الأفريقية.

أما القناة الثانية فتتمثل في الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية، وعلى رأسها الطاقة والأسمدة، التي سجلت زيادات تفوق 30% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وهو ما يضغط بشكل مباشر على اقتصادات القارة، خاصة وأن نحو 80% من الدول الأفريقية تعتمد على استيراد الطاقة، ما يؤدي إلى تسارع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف النقل والغذاء والإنتاج الزراعي.

وفي جانب التمويل، تشهد الأسواق المالية بدورها ضغوطاً متزايدة، حيث يؤدي تصاعد حالة عدم اليقين إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع شهية المستثمرين، مع توجه رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، وهو ما يزيد من أعباء الحكومات الأفريقية، خاصة في ظل استحقاقات ديون تقدر بنحو 11 مليار دولار تحتاج إلى إعادة تمويل في بيئة مالية تتسم بشح السيولة وارتفاع الفوائد.

كما بدأت آثار الأزمة تظهر على العملات المحلية، حيث سجلت عملات 29 دولة أفريقية تراجعاً منذ اندلاع الحرب، ما يزيد من تكلفة خدمة الديون الخارجية ويضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، إلى جانب انعكاسات غير مباشرة مثل احتمال تراجع تحويلات العاملين في الخارج، خاصة في دول الخليج، وهو ما يؤثر على مداخيل الأسر.

وفي ظل هذه التطورات، تحذر المؤسسات الدولية من أن الأزمة قد تتجاوز بعدها التجاري لتتحول إلى أزمة في تكاليف المعيشة، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتكاليف الشحن، في وقت تعتمد فيه الأسر الأفريقية بشكل كبير على الإنفاق في النقل، حيث يتراوح بين 50% و60% من ميزانياتها، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.

ورغم هذه الضغوط، تبرز بعض الفرص المحدودة لبعض الدول المنتجة للطاقة، مثل نيجيريا وموزمبيق، إلى جانب استفادة موانئ في جنوب أفريقيا وناميبيا وموريشيوس من تحويل مسارات الشحن، إلا أن هذه المكاسب تبقى ظرفية ومحدودة مقارنة بحجم التحديات، ما يدفع القارة إلى البحث عن حلول داخلية، من بينها إعادة توجيه الاستثمارات الأفريقية الموجودة خارجها وتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية لمواجهة تداعيات الأزمة.