في كل صيف، تعود أعداد كبيرة من الجزائريين المقيمين في الخارج إلى الجزائر، حاملة معها إنفاقًا ينعكس على قطاعات مختلفة، من النقل والإقامة والمطاعم إلى التجارة والخدمات.
وتكشف أحدث البيانات الرسمية أن الجزائر سجلت خلال 2024 نحو 1.09 مليون دخول لجزائريين مقيمين بالخارج، من أصل 3.55 مليون سائح عبروا الحدود الجزائرية خلال السنة.
لكن ماذا يعني هذا العدد بالنسبة للاقتصاد الجزائري؟ وهل يمكن أن يصل حجم الإنفاق المرتبط بعودة الجالية إلى نحو ملياري يورو سنويًا؟
أكثر من مليون دخول في سنة
بحسب حصيلة وزارة السياحة والصناعة التقليدية الخاصة بسنة 2024، بلغ عدد الجزائريين المقيمين بالخارج الذين دخلوا الجزائر 1,093,699، أي ما يمثل 30.82% من إجمالي التدفقات السياحية المسجلة خلال السنة.
وتشير البيانات نفسها إلى أن فرنسا كانت المصدر الأكبر لهذه التدفقات، بـ874,858 دخولًا، أي نحو 80% من إجمالي دخول الجزائريين المقيمين بالخارج المسجل في الإحصاءات.
لكن يجب الانتباه إلى أن الرقم يعبر عن حالات دخول إلى الجزائر، وليس بالضرورة عن عدد أشخاص مختلفين؛ فقد يدخل الشخص نفسه البلاد أكثر من مرة خلال السنة.
من أين يأتي رقم ملياري يورو؟
هنا تبدأ الحسابات التي تسمح بفهم حجم التأثير الاقتصادي للجالية.
إذا افترضنا، على سبيل المثال، أن متوسط ما ينفقه الجزائري المقيم بالخارج خلال زيارته للجزائر يبلغ 2,000 يورو، فإن ضرب هذا المتوسط في 1,093,699 دخولًا يعطي:
1,093,699 × 2,000 = نحو 2.19 مليار يورو.
لكن هناك نقطة أساسية:
2.19 مليار يورو ليست إيرادات رسمية أعلنتها الجزائر، وإنما نتيجة حسابية مبنية على افتراض متوسط إنفاق قدره 2,000 يورو لكل دخول.
وهذا التفريق ضروري حتى لا نخلط بين التقدير الاقتصادي والإحصائية الرسمية.
ماذا لو كان الإنفاق أقل؟
حتى لا نعتمد على سيناريو واحد، يمكن اختبار عدة مستويات للإنفاق:
| متوسط الإنفاق | القيمة الإجمالية التقريبية |
|---|---|
| 1,000 يورو | 1.09 مليار يورو |
| 1,500 يورو | 1.64 مليار يورو |
| 2,000 يورو | 2.19 مليار يورو |
| 2,500 يورو | 2.73 مليار يورو |
وهذا يعني أن الوصول إلى مستوى 2 مليار يورو يتطلب متوسط إنفاق يقارب 1,829 يورو لكل دخول.
وهذه نقطة أكثر دقة من القول إن كل مغترب ينفق 2,000 يورو بالضرورة.
أين تنفق الجالية هذه الأموال؟
لا تذهب أموال العائدين إلى قطاع واحد.
فعندما يعود أفراد الجالية إلى الجزائر لقضاء العطلة، يمكن أن يتوزع إنفاقهم على مجموعة واسعة من الأنشطة، من بينها:
النقل والسفر
تبدأ المصاريف منذ رحلة العودة نفسها، سواء عبر الطائرة أو العبّارة، إضافة إلى التنقل داخل الجزائر والوقود ومصاريف السيارات.
السكن
جزء من أفراد الجالية يقيمون لدى العائلة، بينما يلجأ آخرون إلى الفنادق أو الشقق السياحية، خصوصًا عند زيارة مناطق مختلفة خلال العطلة.
المطاعم والتجارة
الإنفاق اليومي على المواد الغذائية والمطاعم والمقاهي والتسوق يمثل جانبًا آخر من النشاط الاقتصادي الناتج عن عودة الجالية.
السياحة والترفيه
الرحلات الداخلية، الشواطئ، المواقع السياحية، الأنشطة الترفيهية والخدمات المرتبطة بها تستفيد أيضًا من ارتفاع الطلب خلال موسم الصيف.
الجالية وفرنسا.. الرقم الأكبر
وتكشف بيانات وزارة السياحة أن فرنسا تأتي بفارق كبير في مقدمة البلدان التي يأتي منها الجزائريون المقيمون بالخارج.
فقد سجلت الإحصاءات 874,858 دخولًا من فرنسا خلال 2024، مقابل 87,749 من إسبانيا، وفق البيانات الرسمية.
وهذا يوضح لماذا تمثل الجالية المقيمة في أوروبا، وخاصة فرنسا، وزنًا كبيرًا في حركة السفر الصيفية نحو الجزائر.
لكن المقال لا يحصر الظاهرة في فرنسا؛ فالأرقام الرسمية تشمل الجزائريين المقيمين بالخارج من مختلف البلدان.
هل الـ2 مليار يورو تدخل كلها كعملة صعبة؟
ليس بالضرورة.
وهذه من أهم النقاط التي يجب توضيحها.
فالإنفاق الذي يقوم به فرد من الجالية في الجزائر لا يعني بالضرورة أن المبلغ نفسه دخل النظام المصرفي الجزائري كتحويل باليورو.
قد يكون الإنفاق نقديًا، أو عبر وسائل دفع مختلفة، وقد يتم تحويل جزء من الأموال إلى الدينار قبل الإنفاق، كما أن بعض المصاريف تكون مدفوعة مسبقًا خارج الجزائر.
لذلك فإن عبارة «2 مليار يورو من العملة الصعبة» يجب التعامل معها كتقدير لحجم الإنفاق المحتمل، وليس كرقم رسمي لتدفقات العملة الأجنبية.
ماذا تقول أرقام بنك الجزائر؟
بيانات بنك الجزائر تعطي صورة مختلفة ومهمة عن القطاع الخارجي.
ففي 2024 بلغت صادرات الخدمات الجزائرية نحو 4.226 مليار دولار، مقابل واردات خدمات بـ9.188 مليار دولار، وفق جدول ميزان المدفوعات المنشور في التقرير السنوي لبنك الجزائر.
كما سجل بند الإيرادات الثانوية 2.126 مليار دولار من الإيرادات خلال العام، لكنه لا يمثل أموال الجالية التي تنفق أثناء زيارتها للجزائر، ولذلك لا ينبغي استخدامه كمرادف لمداخيل السياحة أو إنفاق المغتربين.
وهذا يوضح لماذا يجب عدم وضع رقم رسمي من ميزان المدفوعات بجانب تقدير الـ2 مليار يورو وكأنهما يقيسان الشيء نفسه.
لماذا تهم عودة الجالية الاقتصاد الجزائري؟
الأهمية لا تكمن فقط في قيمة الأموال التي ينفقها أفراد الجالية.
فالعودة الموسمية ترفع الطلب على مجموعة واسعة من الخدمات والأنشطة في فترة زمنية قصيرة، وهو ما ينعكس على:
- الفنادق والشقق السياحية.
- النقل الجوي والبحري والبري.
- المطاعم والمقاهي.
- محطات الوقود.
- التجارة والمحلات.
- الترفيه والأنشطة السياحية.
- خدمات السيارات والصيانة.
وبالتالي فإن كل يورو ينفقه الزائر لا يمثل مجرد مصروف شخصي، بل طلبًا إضافيًا على نشاط اقتصادي داخل البلاد.
2 مليار يورو.. رقم ممكن أم مبالغ فيه؟
الحساب البسيط يقول إن الوصول إلى 2 مليار يورو يتطلب متوسط إنفاق يبلغ حوالي 1,829 يورو لكل دخول من أصل 1,093,699 دخولًا.
لكن لا توجد في البيانات الرسمية التي اعتمدنا عليها إحصائية تقول إن متوسط إنفاق الجزائري المقيم بالخارج يبلغ 1,829 أو 2,000 يورو.
لذلك لا يمكن تقديم الرقم على أنه «مليارا يورو دخلتهما الجالية إلى الجزائر».
الأدق اقتصاديًا هو القول إن حجم الإنفاق المحتمل يمكن أن يقترب من هذا المستوى إذا كان متوسط الإنفاق لكل زيارة في حدود 1,800 إلى 2,000 يورو.
وهنا تكمن أهمية الرقم: فهو يوضح الحجم الاقتصادي المحتمل للجالية، وليس مجرد عدد المسافرين.
الخلاصة
أكثر من مليون دخول للجزائريين المقيمين بالخارج سجلته الجزائر خلال 2024، في رقم يعكس الوزن الكبير للجالية في الحركة السياحية والاقتصادية للبلاد.
وبحساب متوسط إنفاق افتراضي يبلغ 2,000 يورو، يصل إجمالي الإنفاق النظري إلى حوالي 2.19 مليار يورو.
لكن هذا الرقم تقديري وليس إحصائية رسمية.
والأهم أن أثر الجالية لا يقتصر على الأموال التي تنفقها خلال العطلة؛ فعودتها الموسمية تحرك قطاعات واسعة من الاقتصاد الجزائري، من النقل والسياحة إلى التجارة والخدمات.



