دعا تقرير لمؤسسة بحثية بالولايات المُتّحدة الأمريكية، صُنّاع القرار لديهم الى ترسيم علاقاتها بالجزائر في مجالات الأمن و الرؤى المشتركة، مُشددا على التركيز في تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين نتيجة حرب روسيا مع أوكرانيا.
خلال دراسة أجراها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تحت عنوان “العلاقات الجزائرية الروسية بعد غزو أوكرانيا” التي أجراها كلٌ من “سابينا هينبرج” المُكلفة بالبحث والنشر في القضايا المتعلقة بالتحولات السياسية في شمال إفريقيا و آخرون، جاء فيها أن العلاقات الجزائرية الروسية تمتاز بطابعٍ تاريخي منذ الإستقلال، و تجمعهما شراكة عميقة و طويلة الأمد من بينها كون روسيا الشريك الرئيسي للجزائر في مجال الدفاع و شراء الأسلحة.
علاقات اقتصادية
وأعلنت الجزائر في نوفمبر المُنصرم، عن نيتها في الانضمام إلى مجموعة “بريكس” (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا)، في مُبادرةُ لقيت ترحيباً كبيرا من وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف.
و تُضيف الدراسة، الى أن المسؤولين الجزائريين لا يخجلون من مدح موسكو، ويشيدون باستمرار بالعلاقة التي تجمع البلدين والتي يعتبرون أنها قائمة على “برنامج تعاون مشترك واسع النطاق وطويل الأمد”.
ولكن على الرغم من هذا التقارب، تحاول الجزائر باستمرار تحقيق توازن بين علاقتها مع روسيا ورغبتها في اعتماد مبدأ عدم الانحياز على الساحة العالمية.
ويشكل هذا الموقف في بعض الأحيان تحدياً لعلاقتها التاريخية مع موسكو، في حين امتنعت منذ بداية الحرب عن التصويت في خمس جلسات للجمعية العامة على قرارات تتعلق بالحرب.
ومن جهة أخرى، استفادت الجزائر من الآثار الثانوية للغزو الروسي، وأبرزها عزوف الأوروبيين عن الاعتماد على الغاز الطبيعي الروسي.
وعلى سبيل المثال، تُعد الجزائر حالياً أكبر مورّد للغاز الطبيعي لإيطاليا، التي كانت تستورد سابقاً معظم غازها الطبيعي من روسيا.
الشريك المثالي و التاريخي للأسلحة
وحسب ما جاء في الدراسة، فإن روسيا تُعتبر المُورّد الرئيسي للأسلحة للجزائر، في وقت سعت فيه الدولة المستقلة حديثاً إلى بناء جيشها، ولا تزال هذه العلاقة الدفاعية الوثيقة مستمرة حتى يومنا هذا.
ومنذ عام 2002، جاء ما يقرب من 76 %، من واردات الجزائر من الأسلحة من روسيا، لتشكل الجزائر بانتظام إحدى الوجهات الخمسة الأولى عالمياً للأسلحة الروسية.
وحسب ذات الدراسة، فان آثار حرب أوكرانيا تعيق قدرة موسكو على بيع الأسلحة والمعدات المتعلقة بها، علماً أن الحرب أعاقت فعلياً صادرات الأسلحة الروسية في جميع أنحاء العالم. وقد تبيّن في دراسة حديثة أن مبيعات الأسلحة الروسية انخفضت بنسبة تتجاوز 30 %، بين الفترتين 2013-2017 و 2018-2022.
ولذلك سيتعين على الجزائر أن تقرر ما إذا كانت ستضاعف علاقتها الأمنية مع روسيا وربما تستغل وضعها كزبون قديم للتفاوض على صفقات أفضل، أو تبدأ بالبحث في دول أخرى عن إمداداتها العسكرية.
وجاء في ذات الدراسة، أن من بين بدائل الجزائر كمستورد رئيسي للأسلحة من المرجح أن تسعى الصين على وجه الخصوص، إلى سد الفجوة الروسية، علماً أن الولايات المتحدة وصفت الصين في عام 2019 بأنها المصدّر الأسرع نمواً للأسلحة في العالم خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، وقد استخدمت الجمهورية الشعبية مبيعاتها من الطائرات المسيّرة المسلّحة إلى الجزائر ودول أخرى في المنطقة كنقطة انطلاق لتسويق منصات أخرى أكثر تقدماً.
موقف واشنطن من الجزائر
وحسب التقرير، تنظر واشنطن أيضاً في استخدام احتمالات بيع الأسلحة والتعاون الأمني، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، كفرصة لسحب الجزائر من فلك موسكو.
وساعدت هذه الرغبة في دفع وزير الدفاع الأمريكي خلال رئاسة ترمب، مارك إسبر، إلى زيارة الجزائر عام 2020، وكانت تلك أول زيارة يقوم بها وزير دفاع أمريكي أثناء شغله منصبه منذ عام 2006، في وقت توفرت فيه، “الفرصة ربما لتمهيد الطريق” لإقامة علاقات دفاعية ثنائية، وفقاً لمسؤول دفاع أمريكي.
واستقبلت الجزائر منذ ذلك الحين مجموعة من المسؤولين الأمريكيين رفيعي المستوى، من بينهم مؤخراً وكيلة وزارة الخارجية لشؤون “الحدّ من التسلح والأمن الدولي”، بوني دينيس جنكينز.
في الأخير، خلُصت الدراسة أن أفضل نهج يمكن لواشنطن اعتماده، هو الاستمرار في معاملة الجزائر كشريك في المجال الأمني وإيجاد فرص لتعميق العلاقات. و يشمل ذلك تعزيز شراكات الاستثمار مع قطاعات أخرى في الاقتصاد الجزائري مثل الزراعة والطاقة المتجددة، ومواصلة تشجيع مناخ استثماري جزائري أكثر استقراراً وودية.



