من تطويع الحديد إلى صناعة الإنسان.. تندوف حاضنة الكفاءات قارياً

الحدث

​أعطت وزيرة التكوين والتعليم المهنيين، السيدة ناسيمة أرحاب، إشارة الانطلاق الرسمي للعام الدراسي الجديد لأكثر من 285 ألف متكون، في خطوة حملت أبعاداً استراتيجية واقتصادية عميقة. ولم يكن اختيار ولاية تندوف لاحتضان هذا الحدث بمحض الصدفة، بل جاء ليؤكد الانخراط الكامل للقطاع في مرافقة أحد أكبر المشاريع الصناعية في تاريخ الجزائر المستقلة وهو منجم غار جبيلات.

حيث كشفت الوزيرة أن الأولوية القصوى حالياً هي تكييف برامج التكوين لتلبية احتياجات الاقتصاد الوطني، عبر توفير يد عاملة مؤهلة قادرة على قيادة قاطرة التصنيع في مجالات كانت تتطلب سابقاً خبرات أجنبية مكلفة.

تخصصات “غار جبيلات”.. استجابة فورية لمتطلبات السيادة الصناعية

​وفي سياق تعزيز البنية التحتية والمشاريع الكبرى، شهد الموسم الدراسي الحالي استحداث 30 تخصصاً جديداً رفيع المستوى، صُممت خصيصاً لتواكب القفزة النوعية في قطاع التعدين والمنشآت القاعدية. وتتوزع هذه البرامج بين سبعة تخصصات في تقنيات التعدين وأربعة أخرى في السكك الحديدية، حيث يخضع حالياً أكثر من 200 متدرب لتكوين متخصص يغطي كافة مراحل سلسلة الإنتاج، بدءاً من تشغيل الآليات الثقيلة وصولاً إلى تقنيات استخراج ومعالجة خام الحديد.

هذا التحول يعكس فلسفة جديدة تقوم على التشاور الدائم مع الفاعلين الاقتصاديين لضمان أن تكون مخرجات التكوين مطابقة تماماً لما يحتاجه الميدان.

مراكز التميز.. جسر يربط بين مراكز التكوين والمواقع الصناعية

​ولم يقتصر الإصلاح القطاعي على التخصصات فحسب، بل امتد ليشمل آليات التدريب العملي من خلال “مراكز التميز” التي أصبحت همزة وصل مباشرة مع المؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة.

وتتوفر الجزائر اليوم على 18 مركزاً للتميز، تعمل عشرة منها بكامل طاقتها، فيما يرتقب افتتاح ثمانية مراكز أخرى قريباً، من بينها مركز متخصص في الصناعات الصيدلانية بولاية قسنطينة. هذه المراكز تقدم تدريباً تطبيقياً داخل المواقع الصناعية، مما يقلص الفجوة بين النظرية والتطبيق ويسمح للمتخرجين بالاندماج السريع في سوق الشغل.

البعد الإفريقي والدولي.. الجزائر كوجهة لتصدير الخبرة المهنية

​وعلى صعيد آخر، بدأت الجزائر في تثبيت مكانتها كمركز إقليمي للتكوين، حيث استقطب المعهد الإفريقي للتكوين المهني ببومرداس، الذي افتتح في ديسمبر 2025، نحو 500 متدرب من مختلف دول القارة السمراء. ويمتد هذا الإشعاع الدولي ليصل إلى دول جنوب القارة، حيث استقبلت الجزائر وفوداً طلابية من دولة زيمبابوي لتلقي تكوينات متخصصة في مجالات السياحة، الطاقة المتجددة، وتقنيات إدارة الجودة. هذا التوجه لا يعزز القوة الناعمة للجزائر فحسب، بل يساهم في بناء جيل من الكفاءات الإفريقية القادرة على دفع عجلة التنمية في القارة وفق رؤية مشتركة.