كشف تقرير استراتيجي صادر عن معهد “New Lines Institute” الأمريكي عن ملامح خطة جيوسياسية وتكنولوجية طموحة تقودها الجزائر لبناء “سيادة رقمية” كاملة بعيداً عن هيمنة القوى الكبرى. وأوضح التقرير أن الجزائر، التي لم تعد تُنظَر إليها دولياً كقوة طاقوية تقليدية فحسب، نجحت في توظيف موقعها الاستراتيجي وثرواتها لصناعة سياسة توازن دقيقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيطاليا، مما يمنحها الأفضلية لقيادة قطاع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في منطقة شمال إفريقيا والساحل لعام 2026.
وتسعى البلاد من خلال هذه المناورة التكنولوجية إلى تجنب التبعية الرقمية لأي قطب عالمي؛ حيث رصدت الدراسة تحولاً لافتاً في الشراكات الجزائرية يمزج بين التكنولوجيا الغربية والشرقية. وتتجسد هذه الرؤية في فتح قطاع التعليم العالي والبحث العلمي أمام برامج تعاون مكثفة مع جامعات أمريكية بارزة مثل (University of Notre Dame)، بالتوازي مع إبرام اتفاقيات استراتيجية مع الصين لإنشاء مختبرات بحثية مشتركة وتدريب الكفاءات الوطنية في مجالات الاقتصاد الرقمي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
كابل “ميدوسا” وتحالفات البحر المتوسط الرقمية
على الصعيد اللوجيستي والميداني، أبرز التقرير الأمريكي توسع التعاون التكنولوجي بين الجزائر وإيطاليا، والذي تجاوز الأطر التقليدية ليصل إلى قطاعات الاتصالات المتقدمة، الأمن السيبراني، ومد الكابلات البحرية العملاقة. ويبرز في هذا السياق انخراط الجزائر الفعلي في مشروع كابل “ميدوسا” الضخم، الذي يربط شبكات شمال إفريقيا مباشرة بجنوب القارة الأوروبية، مما يؤهل البلاد للتحول إلى مركز إقليمي محوري لنقل البيانات وتأمين التدفقات الرقمية بين القارتين مستغلة محدودية القدرات التقنية لدى دول الجوار.
ولحماية هذه الاستقلالية الاستراتيجية والحد من هجرة الأدمغة، وضعت السلطات العمومية خطة واسعة لتطوير رأس المال البشري تستهدف تكوين 500 ألف مختص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بحلول عام 2030. وتعتمد هذه الخطة على واحدة من أقوى القواعد التعليمية إفريقياً، حيث يدرس حالياً أزيد من 57 ألف طالب جزائري ضمن 74 برنامج ماستر متخصص في الذكاء الاصطناعي موزعة عبر 52 جامعة، مع تسجيل تحول متزايد ومتسارع نحو اعتماد اللغة الإنجليزية داخل الكليات والمعاهد العلمية والرياضية.
عوائد بالملايين واستثمارات ضخمة للشركات الناشئة
تنعكس هذه التحركات الجيوسياسية مباشرة على المؤشرات الاقتصادية الداخلية؛ إذ توقع خبراء المعهد الأمريكي قفزة نوعية في حجم سوق الذكاء الاصطناعي بالجزائر ليرتفع من 499 مليون دولار في 2025 إلى ما يقارب 1.69 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يناهز 27.7%. وتراهن الدولة على دمج هذه التقنيات في صناعة النفط والغاز لتحقيق وفورات مالية سنوية تتراوح بين 200 و300 مليون دولار، فضلاً عن تفعيل تطبيقات الزراعة الدقيقة لرفع إنتاج المحاصيل بنسبة تصل إلى 25% لدعم الأمن الغذائي.
وفي السياق الاستثماري، ركز التقرير على الدور المحوري لشركة “اتصالات الجزائر” التي رصدت غلافاً مالياً يقدر بـ 1.5 مليار دينار لتمويل الشركات الناشئة المبتكرة في مجالات الروبوتات والأمن الرقمي، ضمن مخطط وطني شامل يتضمن أزيد من 500 مشروع للتحول الرقمي خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2026. ورغم التحديات اللوجيستية المرتبطة بسعة مراكز البيانات (Data Centers) وفجوات الإنترنت التي جعلت الجزائر في المرتبة 120 عالمياً في مؤشر الجاهزية الحالي، إلا أن التقرير خلص إلى أن إمكانات البلاد المستقبلية ورؤيتها بعيدة المدى ستجعلها الفاعل التكنولوجي الأكثر نفوذاً وتأثيراً في المنطقة.
يؤكد هذا التحليل الدولي أن التوجه الجزائري نحو تنويع الشراكات يمثل نموذجاً إقليمياً فريداً في كيفية تحويل التكنولوجيا إلى أداة لتعزيز السيادة الوطنية. ومن شأن الاستمرار في بناء البنية التحتية الرقمية ودعم الكفاءات الشابة أن يسهم في بناء أرضية اقتصادية صلبة، تضمن للجزائر قيادة الخريطة التكنولوجية الإقليمية بكفاءة وأمان، وتثبّت تواجدها كلاعب محوري لا يمكن تجاوزه في معادلة التوازن الرقمي العالمي.



