تفتح أزمة الطاقة العالمية الراهنة وتداعيات شلل حركة الملاحة في مضيق هرمز الباب على مصراعيه أمام قطاع الأسمدة في مصر لتحقيق مكاسب مالية غير مسبوقة. وحسب ما أورده تقرير شبكة “الشرق”، فإن شركات الأسمدة النيتروجينية المصرية تراهن على مزيج من شح المعروض العالمي والارتفاع الجنوني للأسعار لضخ مليارات الدولارات الإضافية في خزينة البلاد من النقد الأجنبي، مستفيدة من التوقف شبه الكامل للإمدادات الخليجية العابرة للمضيق لعام 2026.
وأدت أزمة الممرات البحرية واضطراب الملاحة إلى قفزة قياسية في أسعار “اليوريا” العالمية (العنصر الأساسي في الأسمدة النيتروجينية) بنسبة بلغت 110% منذ نهاية شهر مارس الماضي، خاصة وأن 45% من تجارة اليوريا عالمياً تأتي من منتجين تقع مصانعهم على الخليج العربي، وهو الإنتاج الذي بات محاصراً جراء التوترات العسكرية وهجمات الطائرات المسيرة الإيرانية التي ألحقت أضراراً بالبنية التحتية للطاقة والصناعة في دول كقطر والبحرين، مما هدد بتوقف ما بين 55% إلى 60% من الإنتاج الإقليمي وفقاً لتقديرات شركة الاستشارات العالمية “CRU Group”.
مليارات إضافية واختراق تاريخي لأكبر الأسواق العالمية
أوضح يوسف حسيني، رئيس قسم المواد والكيماويات في بنك الاستثمار الإقليمي “هيرميس” لـ”الشرق”، أن مصر تعد من أبرز المستفيدين دولياً من هذه التحولات بصادرات تتجاوز 3 ملايين طن من اليوريا سنوياً. وأضاف أن استقرار الأسعار الحالية بين 800 و900 دولار للطن كفيل برفع حصيلة الصادرات المصرية من اليوريا وحدها إلى ما يتراوح بين 2 و2.5 مليار دولار، وهو رقم يعادل أو يتجاوز قيمة صادرات قطاع الأسمدة بالكامل المسجلة في عام 2025 والبالغة 2.04 مليار دولار.
وتعكس البيانات الرسمية هذا الانتعاش؛ حيث قفزت صادرات مصر من الأسمدة بنسبة 3% في الربع الأول من العام الجاري لتسجل 838 مليون دولار حسب تصريحات رئيس الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، عصام النجار. وجاء هذا النمو مدفوعاً بـ”طفرة” في الصادرات الموجهة إلى الهند (أكبر مستورد لليوريا عالمياً) والتي ارتفعت بنسبة 140% لتصل إلى 77 مليون دولار، بالتزامن مع نجاح 6 شركات مصرية في اقتناص 15% من مناقصة هندية ضخمة لشحن 2.5 مليون طن من الأسمدة خلال شهر يونيو المقبل.
من جانبه، أكد خالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية، أن الشركات والتجار يتوسعون بقوة في التصدير للاستفادة من شح المعروض وتشبع السوق المحلية، فضلاً عن جني مكاسب فروق العملة مع استقرار الدولار عند مستويات مرتفعة أمام الجنيه. وفي ذات السياق، أوضح حسن عبد العليم، رئيس شركة “حلوان للأسمدة”، أن المصانع الوطنية حققت التوازن الكامل بتموين المزارعين محلياً مع تحويل الفائض نحو التصدير ليصبح القطاع بمثابة قاطرة الصناعة الوطنية.
مكاسب حكومية مزدوجة ورسوم صادر لحماية السوق المحلية
لا تتوقف عوائد هذه الطفرة عند حدود الشركات، بل تمتد مباشرة إلى ميزانية الحكومة المصرية التي تمتلك أغلب المجمعات الصناعية الـ18 العاملة في هذا المجال؛ حيث تجني الدولة إيرادات ضريبية مرتفعة وتستفيد من آلية تسعير الغاز الطبيعي المورد للمصانع، والذي يرتبط تصاعدياً بأسعار اليوريا العالمية ليتراوح حالياً بين 9 و10 دولارات، بعد قرار الحكومة رفع أسعار الغاز لمصانع الأسمدة والأسمنت كثيفة الاستهلاك بمعدل دولاريين في المتوسط لتبلغ 14 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية.
ورغم التحديات المرتبطة برسم الصادر الذي فرضته الحكومة بقيمة 90 دولاراً للطن على صادرات الأسمدة الآزوتية لمدة 3 أشهر بداية من مايو الجاري لحماية السوق المحلية وضمان وفرة المنتجات للموسم الصيفي، إلا أن خبراء بنك “هيرميس” يؤكدون أن هذه الرسوم لن تمنع الشركات من تحقيق أرباح قوية ومستدامة بفضل المستويات القياسية للأسعار بالخارج، متوقعين استمرار الهيمنة المصرية على المدى القصير في ظل غياب المنافسة الخليجية وتصاعد الطلب الهندي.
وتُثبت التحولات التجارية الأخيرة كيف يمكن للأزمات الجيوسياسية أن تصنع نوافذ استثمارية كبرى للدول المستعدة لوجستياً. ومن شأن استمرار تدفق الأسمدة المصرية نحو الأسواق الدولية أن يعزز من مكانة القاهرة كلاعب محوري في منظومة الأمن الغذائي العالمي، ويساهم في تأمين الاحتياطيات النقدية، وصناعة بدائل اقتصادية مرنة تدعم مسار النمو والاستقرار المالي للبلاد بكفاءة وأمان.



