كشف تقرير حديث للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية عن “سقطة إستراتيجية” وقع فيها الاتحاد الأوروبي؛ فرغم نجاحه في تقليص الغاز الروسي، إلا أنه وقع في تبعية خارجية جديدة أمام أسواق متقلبة. هذا التناقض فتح فجأة “نافذة ذهبية” أمام الجزائر للاستحواذ على تدفقات ضخمة من العملة الصعبة، ليس فقط عبر طفرة صادرات الغاز الحالية، وإنما من خلال إجبار بروكسل على ضخ استثمارات مليارية مباشرة لتحويل الجزائر إلى منصة إقليمية لتصدير الكهرباء النظيفة، الهيدروجين، والمعادن الحيوية التي تتوقف عليها الثورة الصناعية الأوروبية لعام 2026.
وجاء التقرير، الذي حمل عنوان “Electric collective: Europe’s clean energy future without Russia”، ليكشف أن التكتل الأوروبي نجح بين عامي 2021 و2026 في تقليص اعتماده على الطاقة الروسية بصورة حادة؛ حيث انخفضت حصة الغاز الروسي في الواردات من 45% إلى قرابة 12%، وتراجعت حصة النفط من 26% إلى حوالي 2%، مع التخلص التام من واردات الفحم بفعل العقوبات.
وبينما انخفضت كميات الغاز الروسي المتدفقة لأوروبا من 160 مليار متر مكعب سنويًا في 2021 إلى 37 مليار متر مكعب فقط في 2025، برزت الجزائر كأحد أوائل البدائل الإستراتيجية التي توجهت إليها بروكسل. وعززت الجزائر موقعها كمورد رئيسي للغاز نحو جنوب أوروبا عبر خطوط الأنابيب الممتدة إلى إيطاليا وإسبانيا مستفيدة من بنيتها التحتية القوية وقربها الجغرافي. إلا أن النظرة الأوروبية للجزائر لعام 2026 تعدت دور المورد التقليدي، لتصبح فاعلاً محورياً مستقبلياً في مشاريع ربط شبكات الطاقة عبر المتوسط واستيراد الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر.
فرصة “المنصة الإقليمية” والتحدي القاسي الذي يواجه العائدات
ووفقاً للتحليل الذي أعده خبراء المجلس الأوروبي، فإن الإمكانات الشمسية الهائلة للصحراء الجزائرية ومشاريع الهيدروجين الأخضر الناشئة تؤهل البلاد للتحول إلى منصة إقليمية للطاقة منخفضة الكربون. ومع ذلك، يضع هذا التحول جزائر اليوم أمام تحدٍّ مصيري؛ فالرؤية الأوروبية طويلة المدى تقوم على تقليص استهلاك الوقود الأحفوري تدريجياً لتفادي تكرار “الخطأ الإستراتيجي” الذي حدث مع روسيا بربط أمنها بالغاز الأحفوري مجدداً. بناءً على ذلك، يشدد التقرير على أن الجزائر مطالبة باستغلال الطفرة الحالية لعائدات الغاز لتسريع الاستثمار في البنية التحتية للاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة.
وما يفتح نافذة إستراتيجية ذهبية أمام الجزائر هو التناقض الطاقوي الذي تعيشه أوروبا حالياً؛ فالوقود الأحفوري لا يزال يغطي قرابة 60% من الطلب الأوروبي، كما تبلغ تبعيتها لاستيراد النفط 90% وللغاز 85%. ويعني هذا أن بروكسل خرجت من التبعية الروسية لكنها وقعت في تبعية خارجية تم توزيعها على أسواق عالمية أكثر تقلبًا. وكلما أدركت أوروبا أن استبدال مورد غاز بآخر لا يبني أمناً مستداماً، تعاظمت أهمية الشركاء القادرين على توريد حزمة متكاملة تشمل الكهرباء النظيفة، الهيدروجين، والمواد الخام الحرجة.
تشتت الدبلوماسية الأوروبية وسلاح المعادن والتربة النادرة
ويكشف التقرير أن واردات الكهرباء النظيفة عبر المتوسط —حتى وإن اكتملت روابطها— لن توفر سوى عشرات التيراواط/ساعة سنويًا بحلول ثلاثينيات القرن الحالي، وهي نسبة ضئيلة تتراوح بين 1% إلى 3% من الطلب الأوروبي الذي سيتراوح بين 3500 و4000 تيراواط/ساعة بحلول (2030-2040) بفعل كهربة الصناعة والنقل. ولذلك، تولي الدراسة أهمية قصوى للمواد الخام الحرجة والعناصر الأرضية النادرة الضرورية بصناعة البطاريات وتوربينات الرياح وشبكات الكهرباء. وهنا تتقاطع الرؤية الأوروبية مع التحولات الداخلية للجزائر، التي تقود حالياً مشاريع منجمية عملاقة في الحديد، الفوسفات، الزنك، والرصاص لتنويع اقتصادها وتطوير بيئتها القانونية.
وانتقد المجلس الأوروبي في نهاية وثيقته الطابع الفردي المفرط لدبلوماسية الطاقة الأوروبية؛ حيث تحركت دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا بشكل منفرد وفقاً لمصالحها الخاصة. ويحمل هذا التشتت الأوروبي فرصة ومخاطرة في آن واحد للجزائر؛ تكمن الفرصة في مرونة وقدرة الجزائر على التفاوض المباشر مع دول أوروبية رئيسية وفق مصالح ثنائية مباشرة مستفيدة من القرب الجغرافي. بينما تتمثل المخاطرة في أن غياب إطار أوروبي موحد وممول بشكل مشترك قد يجعل تنفيذ المشاريع النظيفة الضخمة وطويلة الأجل أكثر بطئاً وأقل تمويلاً.
ويؤكد التقرير أن الجزائر تمتلك كافة الأوراق الرابحة لعام 2026 لتعيد صياغة نفوذها الاقتصادي في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومن شأن الانتقال الذكي من تصدير الغاز الطبيعي التقليدي إلى تصدير الكهرباء النظيفة والهيدروجين، مدعوماً بالمشاريع المنجمية الكبرى، أن يجعل من الجزائر شريكاً سيادياً لا يمكن الاستغناء عنه في المنظومة الصناعية والبيئية الأوروبية المستقبلية بكفاءة وأمان.



