تدخل الجزائر مرحلة استراتيجية غير مسبوقة في تاريخ قطاع الصناعات الميكانيكية، قوامها الانتقال الفعلي والحاسم من مجرد تجميع الأجزاء والتجارب السابقة القائمة على “نفخ العجلات”، إلى تأسيس قاعدة صناعية وطنية صلبة وقادرة على إنتاج أوّل سيارة جزائرية بنسبة إدماج كلي تتجاوز 100% بحلول نهاية عام 2028. هذا التحدي الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، يرتكز على رؤية اقتصادية شاملة تجمع بين تعميق نسبة الإدماج التقني وتوطين تكنولوجيا المحركات والمكونات الحيوية، حيث تشكل الشراكة الألمانية-الإيطالية نقطة الارتكاز المحورية لكسب هذا الرهان.
تحول الرؤية السياسية والاقتصادية: قطع مع سياسة “نفخ العجلات”
أكد رئيس الجمهورية في لقائه مع المتعاملين الاقتصاديين أن الجزائر سارت نحو خيار التأسيس لصناعة سيارات حقيقية وعصرية تعتمد على قدرات وإمكانات محلية بحتة. ولم يعد الرهان مقتصراً على استيراد مجموعات أجزاء السيارات المفككة (CKD أو SKD)، بل يمتد إلى تصنيع المكونات المفصلية للهيكل والدفع داخل الوطن.
وتستند هذه الخطة الوطنية الشاملة إلى الاستفادة من إعادة البعث الميداني للمصانع والوحدات المسترجعة بقرارات نهائية للعدالة في إطار مكافحة الفساد، وإعادة إدماجها ضمن الدورة الاقتصادية لتشغيل الكفاءات الوطنية. هذا التوجه يرافقه التزام حكومي صارم بضبط الأرقام وتطوير سلاسل التوريد المحلية، للوصول إلى هدف إنتاج سيارة جزائرية متكاملة بعلبة سرعة جزائرية، عجلات محلية، وهيكل ومحرك مصنعين على التراب الوطني.
المحرك الألماني وتوطين التكنولوجيا: مذكرة التفاهم مع “أوبل”
تعد قضية توطين تصنيع المحركات العصب الأساسي لأي صناعة سيارات حقيقية؛ وفي هذا السياق، تبرز الشراكة مع علامة “أوبل” (Opel) التابعة لمجموعة “ستيلانتيس” الإيطالية-الفرنسية ككلمة السر للوصول إلى هذه الغاية. وقد توج المفهوم التنفيذي لهذه الشراكة بتوقيع مذكرة تفاهم بين شركة “أوبل أوتوموبيل” والشركة الجزائرية “إيه جي أم هولدينغ” (AGM Holding)، برعاية مباشرة من رئيس الجمهورية ونظيره الألماني فرانك-فالتر شتاينماير خلال المنتدى الاقتصادي الجزائري-الألماني ببرلين.
وتهدف هذه الاتفاقية الاستراتيجية إلى تأسيس أول مشروع لتوطين إنتاج محركات علامة “أوبل” في الجزائر. وتستهدف هذه الخطوة نقل الخبرة الهندسية الألمانية المتقدمة وتوفير التكنولوجيا اللازمة لإنشاء مصنع متكامل يركز على مقارية “الإنتاج محلياً للسوق المحلية” والتصدير المستقبلي. وستكون هذه المحركات بمثابة “القلب النابض” للسيارات المصنعة محلياً، مما يرفع نسبة الإدماج الوطني إلى مستويات غير مسبوقة ويضع حداً للتبعية التكنولوجية للخارج.
تكامل شبكة المناولة: الهياكل والمكونات البلاستيكية والحديدية
تعتمد خريطة الطريق الحكومية لبناء السيارة الوطنية على تكامل نسيج صناعي بين عدة ولايات، حيث يقود هذا التنسيق القطاعي كل من وهران، تيسيمسيلت، وباتنة:
1. وحدة “جنرال بلاستيك إنجاكشن” (GPI) بتيسيمسيلت
أشرف الوزير الأول على تدشين وحدة “GPI” بالمنطقة الصناعية سيدي منصور بدائرة خميستي. وتكمن أهمية هذا المصنع المسترجع في توفير اللواحق والمكونات البلاستيكية التقنية المحقونة (الدقيقة)، التي تشكل ما بين 15% إلى 20% من إجمالي وزن السيارة الحديثة. وتغطي هذه الوحدة، بفرص إنتاجية تصل إلى 30 ألف طن سنوياً، احتياجات لوحات القيادة، أجهزة التكييف، التبريد، والمصابيح، مما يوفر على الدولة فاتورة استيراد المكونات المفككة.
2. شبكة التصنيع المعدني والهياكل باتنة وتوسيع مصنع طفراوي
يمتد التكامل الصناعي إلى ولاية باتنة عبر التأسيس لمشاريع تصنيع هياكل السيارات والأجزاء المعدنية والدقيقة، إضافة إلى وحدات تركيب غرف التبريد للشاحنات وتصنيع البطاريات وأنظمة الفرامة. بالتوازي مع ذلك، يتولى مركب توسيالي بوهران توفير الصفائح الحديدية الدقيقة ذات المواصفات العالية بدءاً من سبتمبر 2026 لتغذية خطوط الكبس واللحام لمصانع السيارات.
خارطة الطريق نحو 2028: بناء منظومة صناعية مستدامة
تشير الأرقام والخطط الميدانية المعلنة من قبل السلطات العمومية إلى أن المشهد الصناعي بدأ يكتمل وفق رؤية مدروسة بعيدة عن الضجيج. وتتجه خطوط التجميع بمصنع فيات بطفراوي (وهران) إلىرفع قدراتها الإنتاجية لتصل إلى 135 ألف سيارة سنوياً أفق 2028، بالتزامن مع دخول طرازات جديدة مرحلة التجميع الكامل (CKD) وإدماج أكثر من 20 مناولاً محلياً في سلسلة التمويل.
ومع تعزيز الشراكة مع الموردين والمناولين المحليين والأجانب (مثل جنرال موتورز وشركات صلب ومكونات بلاستيكية)، تكتمل أركان المنظومة الصناعية. إن الهدف المسطر لعام 2028 لا يمثل مجرد حلم سياسي، بل هو نتيجة هندسية متكاملة تدمج المحرك الألماني، الهيكل والصفائح الجزائرية، المكونات البلاستيكية التقنية من تيسيمسيلت، والأنظمة الميكانيكية من باتنة، لتدشين أول سيارة جزائرية 100% بمواصفات وأمان عالميين.



