بـ 5.5 مليون طن.. كيف يضرب مشروع الفوسفات الجزائري حصة المغرب في مقتل؟

طاقة ومناجم

​تدفع الجزائر بخطى متسارعة نحو تعزيز تنويع اقتصادها الوطني وتثبيت موقعها كقوة صناعية وطاقوية ضاربة في حوض البحر الأبيض المتوسط، من خلال إطلاق ومتابعة المشروعات المدمجة الكبرى في قطاع المناجم والصناعات التحويلية خاصة فوسفات الجزائر.

وفي هذا السياق، يشكل إطلاق مشروع الفوسفات المدمج بشرق البلاد محطة مفصلية تحول الجزائر إلى رقم صعب ومعادلة رقمية وازنة في سوق الأسمدة العالمية، وهو ما يضع التوازنات الاقتصادية والتنافسية للمغرب في هذا القطاع الحيوي على كف عفريت.

​وتتجلى أهمية هذا التحول في الجمع الفريد بين الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي والسيادة المنجمية على المادة الخام، مما يمنح الصناعة الجزائرية ميزة تفضيلية وتنافسية لا تضاهى في الأسواق الدولية.

​مشروع المدمج: بنية تحتية وطاقة إنتاجية ضخمة لتحويل فوسفات الجزائر

​يمتد مشروع الفوسفات المدمج عبر عدة ولايات بشرق البلاد، رابطاً بين مواقع الاستخراج والتثمين الكيميائي والتصدير البحري، ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى تعظيم القيمة المضافة وتعزيز الأمن الغذائي الوطني والدولي.

​تم وضع حجر الأساس للمشروع المدمج لاستخراج فوسفات الجزائر وتثمينه في شرق البلاد، حيث تتولى شركة سايبام الإيطالية تنفيذ أجزاء واسعة من المشروع بصيغة العقود المسرّعة EPC Fast Track بالشراكة مع شركات تابعة لسوناتراك مثل الشركة الجزائرية لإنجاز المشاريع الصناعية SARPI، الشركة الوطنية للهندسة المدنية والبناء GCB، وشغالي الأنشطة البترولية GTP.

بينما جرى توقيع العقد الثاني المخصص لإنجاز المنشآت المينائية بعنابة مع الشركة الصينية لهندسة الموانئ شيك.

​يمثل موقع بلاد الحدبة ببلدية بئر العاتر في ولاية تبسة الحلقة الأولى لاستخراج وإثراء الفوسفات الخام بطاقة استخراج سنوية تصل إلى 5.5 مليون طن، وبطاقة إنتاجية تبلغ 3.2 مليون طن من الفوسفات المركز القابل للتسويق سنوياً.

ويتم نقل الخام عبر خط السكة الحديدية تلميد-تبسة نحو القطب الصناعي وادي الكبريت بولاية سوق أهراس الذي يحتضن مركب التحويل الكيميائي المخصص لإنتاج 2.4 مليون طن سنوياً من الأسمدة الفوسفاتية بمختلف أنواعها مثل DAP وMAP وNPK، و570 ألف طن سنوياً من الأسمدة الأزوتية كاليوريا، إضافة إلى المواد الكيميائية الوسيطة كحمض الكبريتيك وحمض الفسفوريك والأمونياك. ويتم تخصيص أرصفة وبنى تحتية بميناء عنابة لتصدير الفائض وتعزيز خلق القيمة المضافة ومناصب الشغل.

​تمتلك الجزائر ثالث أكبر احتياطي عالمي بحوالي 2 مليار طن وتستهدف إنتاج 10.5 مليون طن سنوياً على مدار 80 عاماً، مما يجعلها منافساً استراتيجياً مباشراً لبلدان المنطقة مثل المغرب ومصر وتونس.

​الميزة الجزائرية: التكامل بين الغاز والفوسفات الجزائر

​تعتمد القوة التنافسية للجزائر في إنتاج الأسمدة على عنصر استراتيجي فارق يتمثل في التوفر الذاتي الهائل للغاز الطبيعي. فالأسمدة الحديثة تتطلب لصناعتها مزيجاً بين الفوسفات الخام والمواد الأزوتية المشتقة أساساً من الغاز والمواد الكيميائية مثل الأمونياك وحمض الكبريتيك.

​وبحكم امتلاك الجزائر لشبكات غاز محلية واحتياطيات ضخمة، فإن تكلفة إنتاج الأمونياك والأسمدة الأزوتية والفوسفاتية المدمجة في الجزائر تبقى المنخفضة والأكثر استقراراً على مستوى العالم، مما يمنح الصادرات الجزائرية قدرة على المنافسة السعرية العالية والتفوق الاستراتيجي في أسواق أوروبا، إفريقيا، والأمريكتين.

​خسائر قياسية واضطرابات تشغيلية لمجموعة OCP المغربية

​تواجه مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط OCP المملوكة للدولة ضغوطاً مالية وتشغيلية كبيرة، حيث سجلت المجموعة خلال النصف الأول من العام خسائر بقيمة 2.8 مليار درهم (ما يعادل نحو 290 مليون دولار)، مقارنة بأرباح بلغت 8.6 مليار درهم خلال الفترة نفسها من العام الماضي، متأثرة بتراجع الصادرات وضعف الطلب العالمي وارتفاع أسعار المواد الخام بسب حرب إيران.

وتعد هذه أول خسائر نصف سنوية للمجموعة منذ النصف الأول من عام 2020، حيث انخفضت إيرادات المجموعة بنسبة 7.3% على أساس سنوي لتصل إلى 48.3 مليار درهم خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

​وأوضحت المجموعة أن نتائجها المالية تأثرت بارتفاع أسعار بعض المدخلات واضطرابات سلاسل التوريد، خصوصاً الكبريت الذي يعد مادة أساسية في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، كما قامت بتقديم أعمال صيانات في الربع الثاني أثرت على نحو 30% من الطاقة الإنتاجية بسبب شح الكبريت والأمونياك.

​قفزت قيمة واردات الكبريت في المغرب إلى 20.2 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من العام بزيادة بلغت 159% على أساس سنوي وفق بيانات مكتب الصرف.

وجاء هذا الارتفاع المالي الحاد رغم انخفاض حجم الواردات بنسبة 9% ليصل إلى 3.68 مليون طن، نتيجة قفزة كبيرة في متوسط سعر الاستيراد بنسبة 182% ليصل إلى 5400 درهم للطن بحسب بيانات وزارة الاقتصاد والمالية.

​تفاقمت اضطرابات إمدادات الكبريت جراء حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره كميات كبيرة من المواد الأولية القادمة من دول الخليج مثل كازاخستان والسعودية والإمارات.

وفي الظروف العادية، يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 35% من تجارة اليوريا العالمية، وأكثر من 20% من الفوسفات، ونحو 45% من صادرات الكبريت عبر البحر.

ورغم إدارة المجموعة لاحتياطيات فوسفات تمثل نحو 70% من الاحتياطيات العالمية، إلا أن إنتاج الأسمدة يتطلب مواد أولية تستوردها المجموعة، مما يجعل تكاليف الإمدادات عاملاً مؤثراً في أدائها التشغيلي.

​لتخفيف الاعتماد على الكبريت، تعمل المجموعة على زيادة إنتاج ومبيعات سماد TSP الغني بالفوسفات والذي يحتاج كميات أقل بكثير من الكبريت ولا يتطلب استخدام الأمونياك.

وتقود المجموعة برنامجا استثمارياً بقيمة 13 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2027 لرفع القدرة الإنتاجية من الأسمدة من 12 إلى 20 مليون طن، مع تحقيق الحياد الكربوني في 2040، وتطوير 5 جيغاوات من الطاقة النظيفة وإنتاج 560 مليون متر مكعب من المياه المحلاة، وإجراء استثمارات للاستغناء عن الاستيراد مستقبلاً.

وتعتمد الشركة على أسواق الدين لتمويل برنامجها، حيث جمعت خلال النصف الأول نحو 20 مليار درهم من أسواق السندات الدولية والمحلية.

​إعادة تشكيل خريطة الأسمدة في حوض المتوسط والعالم

​يقود دخول الجزائر الفعلي بمشروع مدمج بطاقة استخراج 5.5 مليون طن وإنتاج ملايين الأطنان من الأسمدة إلى تعديل جيوستراتيجي شامل في سوق الفوسفات والأسمدة العالمية. ورغم امتلاك المغرب لاحتياطيات كبرى، إلا أن افتقاره للمصادر الذاتية للغاز والمدخلات الكيميائية الأساسية يجعله مكشوفاً أمام التقلبات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الاستيراد.

​في المقابل، تقدم الجزائر نموذجا للنمو الصناعي القائم على السيادة المزدوجة بامتلاكها ثالث أكبر احتياطي عالمي بحوالي 2 مليار طن واستهداف الوصول إلى 10.5 مليون طن سنوياً على مدار 80 عاماً. يضمن المشروع تسديد الحاجيات الوطنية للقطاع الفلاحي بأسعار مرنة وتحقيق الأمن الغذائي، مع تصدير ملايين الأطنان من الأسمدة عالية الجودة نحو الخارج.

إن استكمال المنظومة الصناعية بشرق الجزائر يعيد رسم قواعد اللعبة ويجعل من الجزائر القطب الأكثر استقراراً وجاذبية في صناعة التغذية العالمية، واضعاً القدرة التنافسية للمغرب في وضع حرج ومواجهة مباشرة مع التحولات الاقتصادية الجديدة.