كشف المكلف بالدراسات بوزارة الصناعة، مقداد عقون، ورئيس دائرة التطوير الصناعي والشراكة بالشركة القابضة الوطنية للصناعة الحديدية والصلب (SNS)، لطفي العالم، خلال استضافتهما في برنامج تلفزيوني عبر التلفزيون العمومي (ENTV)، عن ملامح تحول عميق وغير مسبوق يشهده مركب “الحجار” بمدينة عنابة.
وتتجاوز الخطة المرتقبة مجرد استعادة الأداء السابق للمركب، لتتجه نحو تغيير كلي للنموذج الصناعي، والهندسة القانونية، وطرق التمويل، لإعادة إدماجه كحلقة قوية في السلسلة الوطنية للحديد والصلب.
وأكد المسؤولان صراحة أن النموذج الصناعي التاريخي لمركب الحجار قد بلغ نهايته بعد العقود التي تلت إطلاقه سنة 1969؛ حيث تراجعت القدرة الإنتاجية للمركب إلى نحو 500 ألف طن سنوياً بفعل تراكم الديون، وتقادم المعدات، وارتفاع التكاليف، والاعتماد الكلي على الفحم الحجري (الكوك) المستورد الذي يتجاوز سعره حالياً 400 دولار للطن.
وأوضحت القيادات الصناعية أن الهدف لم يعد مجرد إعادة تشغيل منشأة متهالكة بنفس الطريقة، بل بناء حل دائم يضمن الاستمرارية والإنتاج للعقود القادمة.
تغيير النموذج الصناعي وتأسيس شركتين مختلطتين
تعتمد عملية التحديث الجوهرية على التخلي التدريجي عن النموذج القائم على فحم “الكوك”، واستبداله بتقنيات حديثة ترتكز على الاختزال المباشر والأفران الكهربائية لتكيف المركب مع الموارد الطاقوية والمنجمية الوطنية، وإنتاج صلب ذي قيمة مضافة عالية يلبي المتطلبات التكنولوجية والبيئية للمستقبل.
وفي إطار الهندسة التنظيمية الجديدة، تم التمييز بين المركب كأصول ومصانع مملوكة للدولة الجزائرية وبين شركة “سيدار” المسؤولة عن الإدارة. وتقرر فصل نشاط الإنتاج إلى مرحلتين عبر إنشاء شركتين مختلطتين (Joint-ventures) تحت مظلة شركة “سيدار”:
- الشركة الأولى (القبيلة / Upstream): تختص بتطوير عمليات المعالجة الأولية لتطوير وتحويل خام الحديد إلى حديد اختزال مباشر.
- الشركة الثانية (البعدية / Downstream): تتولى مهام إنتاج ومكفوليات الصلب النهائي.
ويهدف هذا النموذج التنظيمي إلى جذب شركاء متخصصين، وتعبئة التمويلات، وتقاسم المخاطر الصناعية والتكنولوجية. وتتزامن هذه الهيكلة مع توسيع المحيط الصناعي للمركب من خلال إدماج دافعة ومصنع الدرفلة بـ “برحال” (Laminoir de Berrahal) الذي استرجعته الدولة وتم تسليمه لشركة “سيدار”، وهو مشروع مخصص لإنتاج حديد البناء بطاقة إنتاجية تبلغ 800 ألف طن، مما يساهم في الضخ السريع لطاقات إنتاجية جديدة.
التطهير المالي ومفاوضات مع 4 شركاء أجانب
تضع خريطة طريق وزارة الصناعة عملية التطهير المالي للديون المتراكمة في مقدمة الأولويات كشرط أساسي مسبق للانطلاق؛ حيث تُجرى حالياً دراسة مع وزارة المالية لتحديد الوضعية المالية الدقيقة والتزامات المركب. وسيتيح هذا التطهير للبنوك التدخل مستقبلاً إما عبر منح القروض أو المساهمة المباشرة في رأسمال الكيانات الجديدة كشركاء صناعيين.
وعلى صعيد الشراكات الدولية، كشف المسؤولون عن وجود مفاوضات متقدمة مع 4 شركاء دوليين من أوروبا وآسيا. وأكد مقداد عقون أن الجزائر لا تبحث عن مجرد رؤوس أموال، بل تتبنى نموذجاً يجمع بين الاستثمار ونقل التكنولوجيا وفق مبدأ “رابح – رابح”، يضمن للشريك الوصول إلى السوق والموارد الجزائرية مقابل تقديم القيمة التكنولوجية والصناعية المضافة.
من غار جبيلات إلى أفريقيا: ممر السيادة وتضاعف الإنتاج
ترتبط خطة تطوير مركب الحجار بشكل إستراتيجي بمشروع منجم “غار جبيلات” بتندوف، الذي يمتلك احتياطيات ضخمة تُقدر بـ 2.5 مليار طن من خام الحديد، لتأمين المادة الخام للشبكة الصناعية الوطنية، بالتوازي مع تطوير شبكة السكك الحديدية التي تربط الجنوب الغربي بالأقطاب الصناعية.
وتهدف الإستراتيجية الوطنية إلى تلبية الطلب المحلي البالغ نحو 6 ملايين طن سنوياً، ثم التوجه نحو التصدير واقتحام الأسواق الأفريقية. ورغم أن المركبات الحالية (الحجار، توسيالي، والفيصل/AQS) تغطي جزءاً كبيراً من الطلب، فإن خطة الوزارة تسعى إلى مضاعفة القدرات الإنتاجية الوطنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الصادرات خارج المحروقات.
وتتكامل هذه الخطوة مع الهيكلة الجديدة للشركة القابضة الوطنية للحديد والصلب (SNS) المرتكزة على 4 قطاعات رئيسية هي: صناعة الحديد والصلب، الصناعات التحويلية، الإنشاءات والهياكل المعدنية، والخدمات.
وعن البعد الاجتماعي بالشرق الجزائري، وجه المسؤولون رسائل طمأنة لعمال ومهندسي مركب الحجار بعنابة، مؤكدين أن المشروع يهدف إلى الحفاظ على الكفاءات والخبرات العمالية وتدريبها وإعادة توزيعها على الشركات الجديدة وموقع برحال، باعتبار العنصر البشري المحرك الأساسي للمنظومة الاقتصادية الجديدة.



