تعيش الجزائر على وقع تحولات إستراتيجية وكبرى في خارطتها التنموية والاقتصادية، تتصدرها المشاريع الهيكلية الكبرى التي تستهدف بعث البنية التحتية وإعادة ربط الأقاليم الوطنية بمحركات النمو الحديثة. وفي قلب هذه الديناميكية الجديدة، تبرز ولايات الشرق الجزائري كقطب اقتصادي وصناعي واعد يُراهن عليه لتنويع موارد البلاد خارج قطاع المحروقات.
وفي هذا السياق المفعم بالتحديات والرهانات الكبرى، استقبل وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، السيد عبد القادر جلاوي، يوم الأربعاء 12 أوت 2026، بمقر الوزارة بالعاصمة، وفداً صينياً رفيع المستوى يقوده السيد تشان جونغ، المدير العام المساعد للمجموعة الصينية العملاقة للاتصالات والبناء (China Communications Construction Company – CCCG).
وتأتي هذه الزيارة الخاصة والرفيعة المستوى لمسؤولي المجموعة الصينية إلى الجزائر للوقوف المباشر والميداني على سير الأشغال والتقدم المحرز في مشروعي «توسعة ميناء عنابة الفوسفاتي» وتحديث «الخط المنجمي الشرقي للسكك الحديدية»؛ وهما المشروعان اللذان تشارك في إنجازهما شركةان تابعان للمجموعة الصينية، ويشكلان معاً الشريان اللوجستي والمحرك الأساسي لنهضة اقتصادية وتنموية شاملة يُنتظر أن تنطلق شرارتها الأولى من سواحل عنابة لتشمل كامل الولايات الشرقية.
وجرى هذا اللقاء التنسيقي المهم بحضور عدد من الإطارات المركزية لوزارة الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، والمدير العام للوكالة الوطنية لإنجاز المنشآت المينائية (ANRIP)، بالإضافة إلى ممثلين ومسؤولين عن فرعي المجموعة الصينية الناشطين بالجزائر، وهما: الشركة الصينية للطرق والجسور (CRBC) وشركة هندسة الموانئ الصينية (CHEC)، ما يعكس الأهمية القصوى والصبغة التنفيذية المباشرة التي أولاها الطرفان لهذا الاجتماع.
عنابة وسواحل الشرق: العصب الحيوي لأضخم مشروع منجمي في تاريخ الجزائر
طالما ظلت ولاية عنابة، بعمقها التاريخي وموقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل على حوض البحر الأبيض المتوسط، جوهرة الشرق الجزائري وعاصمته الاقتصادية والتجارية. غير أن الرؤية التنموية الجديدة التي تتبناها السلطات العليا في البلاد تتجاوز الدور التقليدي للمدينة، لتجعل من سواحل عنابة ومينائها المحوري البوابة الرئيسية والمنفذ التجاري لأحد أكبر المشاريع المدمجة في أفريقيا والمنطقة: «مشروع الفوسفات المدمج».
يقوم هذا المشروع العملاق على التكامل الشامل بين 4 مراحل أساسية تتوزع عبر عدة ولايات شرقية، تبدأ بالاستخراج والتعدين من حقل “بلاد الحدبة” بولاية تبسة الغني باحتياطات ضخمة من الفوسفات الخام، مروراً بالتخصيب والتحويل الكيميائي عبر وحدات التحويل في مركب “وادي الكبريت” بولاية سوق أهراس لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية، وصولاً إلى النقل عبر الخط المنجمي الشرقي للسكك الحديدية الممتد على مسافة تتجاوز 400 كيلومتر، ثم التصدير عبر ميناء عنابة المتخصص.
ومن هذا المنطلق، تتضح المحورية المطلقة لسواحل عنابة؛ إذ بدون ميناء مدرن ومتطور وقادر على استيعاب ملايين الأطنان من الأسمدة والفوسفات المخصب سنوياً، سينقطع الشريان الأساسي لهذه السلسلة الصناعية الضخمة. إن توسعة الميناء الفوسفاتي بعنابة ليكون قادراً على استقبال السفن العملاقة بدفع غاطس مائي يصل إلى أكثر من 16 متراً وتوفير مساحات تخزين وشحن بمعايير عالمية يمثل الشرط الأساسي لرفع تنافسية الصادرات الجزائرية وتقليل تكاليف الشحن البحري، مما يضمن وصول الأسمدة الجزائرية إلى الأسواق الدولية بأسعار تنافسية للغاية.
شراكة إستراتيجية مع عملاق الإنشاءات العالمي (CCCG)
تأتي استعانة الجزائر بالعملاق الصيني CCCG وفرعيها CHEC وCRBC لتجسيد هذه المنشآت الإستراتيجية كخيار مدروس يستند إلى حجم الخبرات والإمكانيات الهندسية والتكنولوجية الضخمة التي تتمتع بها الشركات الصينية في مجالات البنية التحتية البحرية والسكك الحديدية.
وتُعد مجموعة CCCG واحدة من أضخم 500 شركة عالمية في مجال الإنشاءات، وتتخصص في بناء الموانئ الحيوية، الجسور، الطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية في أكثر من 100 دولة حول العالم. وتؤكد مشاركة القيادة العليا للمجموعة في الاجتماعات التنفيذية بالجزائر مدى التزام الشريك الصيني بدعم المقاربة الجزائرية، وحرصه على إنجاز هذه المنشآت وفق أعلى التكنولوجيات الحديثة المعمول بها عالمياً.
وقد شهد الاجتماع التنسيقي تقديم عرض مفصل وشامل يتضمن تقييماً دقيقاً لمدى تقدم الأشغال على مستوى مشروع توسعة ميناء عنابة الفوسفاتي ومقاطع الخط المنجمي الشرقي. واطلع الوزير عبد القادر جلاوي والوفد الصيني على نسب التقدم المسجلة في الميدان، وتم التأكد من مدى ملاءمتها مع الجدول الزمني المعتمد بين الطرفين لبدء التشغيل الفعلي بحلول عام 2027.
كما تناول العرض تفاصيل الإجراءات والحلول الفنية التي تم اتخاذها ميدانياً لتسريع وتيرة الأشغال وتجاوز كافة العقبات الطبيعية واللوجستية التي فرضتها طبيعة التضاريس الجبلية الوعرة لربط السكك الحديدية أو الأعماق البحرية المعقدة أثناء عمليات الحفر والتوسعة المينائية.
تعليمات حازمة من وزير الأشغال العمومية: الجودة والالتزام بالآجال خط أحمر
في إطار التتبع الدقيق المباشر لمشاريع الدولة الإستراتيجية، أسدى وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، السيد عبد القادر جلاوي، خلال الاجتماع، تعليمات صارمة ومباشرة لجميع القائمين على المشروع من الجانبين الجزائري والصيني.
وشدد الوزير على ضرورة احترام الرزنامة الزمنية والعمل بآلية النوبات المتواصلة على مدار 24 ساعة لتكثيف الإمكانيات البشرية والمادية في الورشات. كما وجه المصالح المختصة والوكالات الوطنية المتابعة (ANRIP وANESRIF) بالعمل التنسيقي المباشر والمستمر لإزالة أي عراقيل إدارية أو لوجستية قد تطرأ أثناء تنفيذ الأعمال.
وأكد جلاوي على الالتزام الصارم بالمعايير العالمية للجودة، خاصة وأن الميناء والخط المنجمي سيتعاملان مع حمولات ضخمة تتجاوز 10 ملايين طن سنوياً من الفوسفات والأسمدة، مما يتطلب متانة عالية واستخدام أحدث معايير السلامة والجودة.
وأوضح الوزير أن الحكومة الجزائرية وفرت كافة الظروف والتسهيلات اللازمة لمؤسسات الإنجاز الصينية، وتنتظر بالمقابل تسليماً دقيقاً ومطابقاً للمواصفات، بالنظر إلى أن مشروع توسعة ميناء عنابة والخط المنجمي يمثلان الالتزام الجزائري أمام الشركاء الدوليين لبدء التصدير والانطلاق الفعلي لإنتاج الأسمدة.
معاينة ميدانية وحضور في قلب الورشات
ولم تتوقف مخرجات اللقاء رفيع المستوى عند قاعات الاجتماعات وصياغة البيانات التنسيقية، بل أثمرت عن وضع برنامج عمل ميداني فوري ومكثف؛ حيث أُعلن عن تنظيم زيارة تفقدية ميدانية مباشرة للمدير العام المساعد لمجموعة CCCG الصينية، برفقة ممثل عن وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية ومسؤولي الشركات المكلفة بالإنجاز (CRBC وCHEC)، إضافة إلى ممثلي الوكالة الوطنية لإنجاز المنشآت المينائية (ANRIP) والوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية (ANESRIF).
وتستهدف هذه الزيارة التفقدية الوقوف المباشر على واقع الورشات، ومعاينة حركة الآليات والفرق الفنية في موقع توسعة الميناء الفوسفاتي بعنابة ومقاطع الخط المنجمي، للاطلاع عن قرب على سير الأعمال ومعالجة التفاصيل الهندسية في موقع الحدث، بما يضمن وتيرة سير متسارعة ودون أي توقف.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لنهضة الشرق الجزائري
إن الإجابة عن السؤال: «هل تبدأ نهضة شرق الجزائر من سواحل عنابة؟» تجد سندها في الأرقام والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على استكمال هذه المشاريع العملاقة؛ حيث سيمكّن ميناء عنابة الفوسفاتي بعد توسعته، والخط المنجمي بعد تحديثه وازدواجيته، من نقل وتصدير أكثر من 10.5 مليون طن من المنتجات الفوسفاتية والأسمدة سنوياً، مما يجعل من عنابة مركزاً لوجستياً عالمياً لتداول المواد المنجمية في حوض المتوسط.
وعلى الصعيد الاجتماعي، ستوفر أوراش الإنجاز، ولاحقاً عمليات التشغيل والصيانة في الميناء وخطوط السكك الحديدية، أكثر من 14,000 منصب شغل مباشر وغير مباشر لشباب ولايات عنابة، تبسة، سوق أهراس، وقالمة، إلى جانب استفادة عشرات المؤسسات المصغرة والمتوسطة الوطنية من عقود المناولة والخدمات اللوجستية.
كما يساهم المشروع في حماية البيئة والبنية التحتية الطرقية من خلال الاعتماد على شبكة السكك الحديدية الحديثة والقطارات الكهربائية لنقل البضائع، مما يقلل الضغط والتلف عن شبكة الطرقات الوطنية ويخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تزيد عن 30%.
ختاماً، يساهم ربط مناجم تبسة ومصانع سوق أهراس بميناء عنابة في توفير الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية للقطاع الفلاحي الوطني لتأمين الأمن الغذائي، مع توجيه الفائض نحو الأسواق الدولية لجلب العملة الصعبة بقيمة تجاوز 2 مليار دولار سنوياً، لتؤكد هذه التحركات المكثفة أن نهضة الشرق الجزائري أضحت حقيقة ميدانية تتجسد خطوة بخطوة من سواحل عنابة.



