لم يعد الطموح الصناعي الجزائري مقتصرا على إقامة مصانع لتركيب وتجميع الهياكل، بل تحول التركيز نحو امتلاك “الأسرار التقنية” الحساسة التي تدير العصب الحركي للمركبات.
وفي هذا السياق، جاء منتدى برلين الاقتصادي ليضع النقاط على الحروف عبر توقيع ملحق اتفاقية استراتيجية لتوسيع الشراكة بين شركة “Friction Tec” الجزائرية والعملاق الألماني “MOLL Batterien”؛ وهو الملحق الذي يتمحور بالكامل حول بند واحد وجوهري: النقل الكامل والمنظم للتكنولوجيا الهندسية الخاصة بصناعة بطاريات الأداء العالي.
هذا الاختراق التقني يسلط الضوء على الكيفية والآليات الهندسة التي ستعتمدها ألمانيا لنقل تكنولوجيتها المتطورة إلى خطوط الإنتاج الوطنية بالجزائر.
توطين تكنولوجيا بطاريات “AFB” و “AGM” المتطورة
تُصنف شركة “MOLL” الألمانية كأحد المبتكرين التاريخيين لتقنيات تخزين الطاقة والبطاريات الخاصة بالسيارات الفاخرة وتلك المزودة بأنظمة “Start-Stop” الحديثة. الخطة التقنية المعتمدة بناءً على ملحق اتفاقية برلين ترتكز على محورين تكنولوجيين:
- تكنولوجيا بطاريات الـ AFB (Advanced Flooded Battery): وهي التقنية المخصصة للسيارات ذات الاستهلاك العالي للطاقة والتي تتحمل دورات شحن وتفريغ مكثفة. الشراكة ستسمح لمهندسي “Friction Tec” بالتحكم في هندسة تصنيع هذه السبائك الرصاصية المعقدة محلياً.
- أنظمة الـ AGM والجيل الجديد: تكنولوجيا الحصيرة الزجاجية الماصة (AGM) الموجهة للمحركات الهجينة والحديثة. نقل هذا المستوى من التصنيع يتطلب برمجيات متطورة لإدارة الخلايا، وهو ما بدأت الشركة الألمانية في إتاحته لخطوط الإنتاج المحلية.
اقرأ أيضا: برخصة ألمانية.. خطة الجزائر لتصدير بطاريات السيارات نحو الأسواق الدولية
آليات نقل التكنولوجيا: كيف سيحدث ذلك ميدانيا؟
نقل التكنولوجيا لا يعني إرسال كتيبات إرشادية، بل يتضمن خطة هندسية وعملية صارمة تم الاتفاق عليها وتتكون من ثلاثة مسارات حاسمة:
- تحديث الخطوط الآلية (Automation Migration): يتضمن الملحق دمج برمجيات ومعدات فحص الجودة الألمانية المؤتمتة بالكامل داخل المصانع الوطنية. هذا يضمن مطابقة كيميائية وفيزيائية بنسبة 100% لمعايير الجودة الصارمة التي تفرضها الهيئات التقنية في ميونخ وبرلين.
- برامج التكوين الهندسي المكثف: إرسال بعثات من المهندسين والتقنيين الجزائريين إلى مراكز البحث والتطوير التابعة لشركة “MOLL” في ألمانيا، للخضوع لتدريبات متقدمة حول ديناميكا السوائل، والتحكم الكيميائي في الخلايا، وإدارة اختبارات السلامة الحرارية للبطاريات.
- المناولة الفنية التشاركية: التحول التدريجي في تركيب المواد الأولية محلياً؛ حيث تشرف الأطقم الألمانية على فحص وتثمين المكونات المصنعة في الجزائر ورفع نسبة الإدماج لتصل إلى مستويات قياسية تنافس المصانع الأوروبية الأم.
إقرأ أيضا: بشراكة مع MOLL الألمانية.. هل تقترب الجزائر من تحقيق الاكتفاء الذاتي في بطاريات السيارات؟
لماذا اختارت “MOLL” الشريك الجزائري لنقل أسرارها؟
لم تكن خطوة “MOLL” الألمانية مجرد بروتوكول سياسي، بل جاءت بعد منافسة قوية بين عدة شركات إقليمية وعالمية كانت تطمح للفوز بهذه الرخصة التكنولوجية الحساسة.
وقد أكدت التقارير الصناعية أن اختيار شركة “Friction Tec” الجزائرية جاء نتيجة امتلاكها لبنية تحتية حديثة تتوفر على تجهيزات متطورة قادرة على استيعاب هندسة التصنيع الألمانية المعقدة بدقة، مما منح الجانب الألماني الطمأنينة الكاملة بأن وسم علامته التجارية سيكون في أيدٍ تمتلك الكفاءة والقدرة على الحفاظ على سمعة المنتج عالمياً.
كيف سيغير نقل التكنولوجيا الألمانية وجه الصناعة بالجزائر؟
يتبين أن ملحق اتفاقية برلين لتوسيع الشراكة التكنولوجية بين Friction Tec و MOLL يمثل حجر الأساس لنهضة هندسية حقيقية في الجزائر. إن امتلاك المعرفة والقدرة على تصنيع بطاريات الأداء العالي محلياً لا يعفي الجزائر فقط من عبء الاستيراد، بل ينقل العقل الصناعي الجزائري إلى نادي المصنعين الفعليين القادرين على الابتكار والتطوير الذاتي في مجالات تخزين الطاقة، وهو ما يتماشى تماماً مع الرؤية الاستراتيجية للدولة لعام 2026.
ومن زاوية النظرة المستقبلية، فإن نجاح توطين هذه التكنولوجيا الألمانية الدقيقة سيبعث رسالة قوية وشديدة الوضوح لكافة مجمعات تصنيع السيارات العالمية؛ مفادها أن بيئة المناولة والميكانيك في الجزائر أصبحت ناضجة تماماً ومجهّزة تقنياً لتدعيم أعتى خطوط تصنيع السيارات المعقدة والكهربائية، مما يجعل الجزائر الوجهة الأكثر جاذبية للاستثمارات الصناعية الثقيلة في المنطقة الإقليمية.



