في خطوة استراتيجية غير مسبوقة تكرس التحول العميق الذي يشهده قطاع الدواء والطب المتقدم في الجزائر، أطلقت السلطات العمومية مشروعاً متكاملاً لإرساء السيادة الصحية والأمن الدوائي القومي، عبر عقد شراكات صناعية وعلمية رفيعة المستوى مع كبرى التكتلات التكنولوجية في جمهورية ألمانيا الاتحادية.
وتأتي هذه المحادثات المكثفة التي يقودها وزير الصناعة الصيدلانية، الدكتور وسيم قويدري، رفقة وفد رفيع المستوى يضم المجمع العمومي “صيدال” برئاسة السيد يونس بوعرارة، لتضع اللبنات الأولى لبناء قطب إقليمي مرجعي في العلاجات المبتكرة وتصنيع اللقاحات، باستثمارات وإمكانات تعادل قيمتها الميدانية أكثر من 1.67 مليار دولار (ما يعادل زهاء 222 مليار دينار جزائري بسعر الصرف الرسمي 1 دولار = 133 دينار).
وتعكس هذه التحركات الدولية الميدانية التزام الجزائر الصارم بتجسيد توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الرامية إلى توطين التكنولوجيات الحيوية الدقيقة، وتقليص التبعية للخارج، وتحويل البلاد من سوق مستوردة إلى منصة إنتاجية وتصديرية استراتيجية تؤمن الاحتياجات الوطنية وتغطي أسواق إفريقيا والشرق الأوسط.
شراكة مع “ميلتيني بيوتيك” لتوطين علاج السرطان بالخلايا الجذعية
وشكلت المحطة الأولى لزيارة الوزير إلى ألمانيا، خلال الفترة الممتدة من 26 إلى 30 أكتوبر 2026 بمدينة “بيرغيش غلادباخ”، تحولاً مفصلياً في تاريخ الطب العلاجي بالجزائر. حيث أجرى وفد وزارة الصناعة الصيدلانية ومجمع “صيدال” محادثات عالية المستوى بمقر شركة “ميلتيني بيوتيك” (Miltenyi Biotec) العالمية، برئاسة مديرها العام الدكتور بوريس ستوفل، وهي المؤسسة الرائدة عالمياً في مجالات التكنولوجيات الحيوية والعلاج الخلوي.
وتركزت النقاشات حول نقل وتوطين تكنولوجيا “العلاج بالخلايا الجذعية”، وهو الجيل الجديد من العلاجات المبتكرة التي تفتح آفاقاً واعدة لشفاء المرضى الذين يعانون من أنواع مستعصية من السرطان والأمراض المستعصية الأخرى. وأكد الوزير وسيم قويدري خلال اللقاء أن الرؤية الجزائرية لا تهدف إطلاقاً إلى مجرد “شراء التجهيزات”، بل تتعدى ذلك إلى بناء شراكة صناعية وعلمية قائمة على نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا وتطوير القدرات الوطنية لضمان التحكم التدريجي في هذه الطبابة المتقدمة والحد من التكفل بالمرضى في الخارج.
من جانبه، استعرض الرئيس المدير العام لمجمع “صيدال”، السيد يونس بوعرارة، جاهزية البنية التحتية والخطوط الإنتاجية للمجمع العمومي، مؤكداً قدرة “صيدال” على استيعاب هذه التكنولوجيات الحيوية وتوطينها ميدانياً، بما يدمج الإمكانات الصناعية الوطنية مع الثورة العلمية العالمية.
القيمة السوقية العالمية للعلاج الخلوي وآفاق تموقع الجزائر
يشهد قطاع العلاج الخلوي والتكنولوجيات الحيوية المتقدمة انفجاراً استثمارياً على المستوى الدولي؛ حيث تشير التقارير الاقتصادية المتخصصة إلى أن القيمة السوقية العالمية لسوق العلاج الخلوي والجيني تتجاوز حاجز 20 ملياردولار، مع توقعات بفقزها لنحو 50 ملياردولار خلال السنوات القليلة القادمة بمعدلات نمو سنوية مركبة تفوق 18%.
ودفع هذا النمو المتسارع الدول المتقدمة إلى سباق محموم للسيطرة على سلاسل توريد هذه العلاجات المعقدة. ومن هذا المنطلق، يأتي دخول الجزائر المستهدف لهذا القطاع عالي القيمة المضافة ليمكّن الاقتصاد الوطني من اقتطاع حصة سوقية واعدة في القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، وتحويل الجزائر من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى مركز إقليمي لتوطين وتصدير الطبابة الحديثة، مما يوفر على الخزينة العمومية مئات الملايين من الدولارات المخصصة للعلاج بالخلايا والسرطان في الخارج.
خط إنتاج آلي بالكامل للقاحات بالتعاون مع “سينتيغون”
وفي إطار الاستراتيجية الشاملة لتأمين الرزنامة الوطنية للتلقيح، عقد الوزير والوفد المرافق له يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 اجتماع عمل حاسم بمقر شركة “سينتيغون” (Syntegon) الألمانية، العملاق العالمي في مجال تصنيع وتعبئة المعدات الصيدلانية. وخُصص الاجتماع لاستكمال المفاوضات النهائية وحسم الجدول الزمني الخاص بتسليم خط إنتاج اللقاحات المتكامل لفائدة مجمع “صيدال”.
ويتميز هذا الخط الإنتاجي الجديد باعتماده على أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الصناعية في العالم؛ إذ يعمل بشكل أوتوماتيكي وآلي كلياً دون أي تدخل بشري، مما يضمن أعلى درجات الأمان والتعقيم والجودة المطابقة للمعيارية الدولية. وفي التفاتة تعكس المكانة الخاصة والشراكة الاستراتيجية التي تحظى بها الجزائر، حظي الوزير والوفد الجزائري بامتياز حادي واستثنائي لمعاينة أحدث المعدات المبتكرة للشركة الألمانية قبل طرحها في الأسواق العالمية، وهو امتياز لم يُمنح إلا لعدد محدود جداً من العملاء المرموقين على مستوى العالم.
ويستهدف هذا المشروع تجسيد مسار “الإنتاج الكامل” للقاحات الوطنية، بدءاً من المادة الخام وحتى المنتج النهائي، بما يضمن استقلالية صحية مطلقة ومستدامة للبلاد.
اختراق الأسواق الإفريقية عبر بوابة “اليونيسف”
ولا تقتصر أبعاد هذه الخطط التكنولوجية الألمانية-الجزائرية على تحقيق الاكتفاء الذاتي المحلي فحسب، بل تمتد لتضع الجزائر في موقع المورد الأساسي للقارة الإفريقية. وتتكامل هذه الخطوة مع الاستراتيجية القومية للتصدير، حيث يسعى مجمع “صيدال” لتوجيه الفائض الإنتاجي من اللقاحات والعلاجات المبتكرة نحو البلدان الإفريقية.
وتسعى الجزائر لنيل الاعتماد والتأهيل المباشر ضمن برامج اقتناء اللقاحات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)؛ إذ تشكل هذه البرامج الأممية بوابة استراتيجية تتيح للمنتج الصيدلاني الجزائري الدخول بقوة إلى الأسواق الإفريقية والإقليمية، وتلبية الاحتياجات الصحية لمنطقة ديموغرافية تتجاوز مئات الملايين من النسمات، وهو ما يعزز موقع الجزائر كقاطرة للأمن الصحي والنمو الاقتصادي القاري.
تكامل ثلاثي: الجزائر – ألمانيا – السويد
تكتمل هذه الرؤية الوطنية الشاملة عبر الربط بين التكنولوجيا الصناعية الألمانية والبحث الطبي الأكاديمي المتقدم. وتأتي الشراكة مع “ميلتيني بيوتيك” و”سينتيغون” لتكمل الاتفاقيات المبرمة سابقاً مع “معهد كارولينسكا” بالسويد، أحد أعرق المراكز العالمية في البحوث الطبية.
ويشهد هذا المسار مشاركة بارزة للنخب والكفاءات العلمية الجزائرية في الجالية الوطنية بالخارج، التي تساهم بفاعلية في نقل الخبرة والتكوين المتخصص وتطوير برامج البحث المشترك. وبذلك، تشكل الجزائر مثلثاً استراتيجياً يربط بين المهارات الوطنية، والتكنولوجيا الألمانية، والبحث السويدي، لإرساء القطب المرجعي للعلاج الخلوي والدواء المبتكر في المنطقة.



