في خطوة استراتيجية وصفت بالأهم في مسار إصلاح المنظومة اللوجستية البحرية للبلاد، درست الحكومة خلال اجتماعها المنعقد اليوم برئاسة الوزير الأول، سيفي غريب، الإطار القانوني الخاص بإنشاء “سلطة مينائية وطنية”.
ويأتي هذا التحول الهيكلي، تماشياً مع التعليمات السامية لرئيس الجمهورية، لينهي عقوداً من تشتت الصلاحيات بين شركات التسيير المينائي، واضعاً حداً للبيروقراطية الإدارية التي ظلت لسنوات تشكل عبئاً على حركة التجارة الخارجية، مما يمهد الطريق لتحويل الموانئ الجزائرية العشرة الكبرى إلى منصات لوجستية ذكية قادرة على منافسة أضخم الموانئ في حوض البحر الأبيض المتوسط.
إنهاء تشتت الصلاحيات وتحصين الخزينة من استنزاف “غرامات التأخير”
وتقضي الهندسة القانونية الجديدة للسلطة المينائية الوطنية بمنحها تفويضاً مستقلاً يتولى مهام الخدمة العامة المتعلقة بتطوير، صيانة، تسيير، وحماية المجال المينائي العمومي عبر كامل الشريط الساحلي للبلاد. واعتبر خبراء النقل البحري أن تأسيس هذه الهيئة الموحدة يمثل “علاجاً جراحياً” لأكبر نقطة ضعف كانت تواجه التجارة البحرية؛ حيث كانت الصلاحيات سابقاً موزعة بين الولاة، ووزارة النقل، ومجمعات التسيير المينائي (Serport)، مما يتسبب في بطء اتخاذ القرار وتأخر عمليات شحن وتفريغ السفن، وهو ما كان يكلف الخزينة العمومية ومستوردي البضائع مبالغ باهظة بالعملة الصعبة تذهب كغرامات تأخير بحرية (Demurrage) لصالح ملاك السفن الأجانب.
وستعمل السلطة المينائية الوطنية كـ “قائد أوركسترا” تنظيمي يشرف على حوكمة وتسيير الموانئ التجارية الكبرى، وعلى رأسها ميناء “جن جن” بجيجل (الذي يجري تجهيزه ليكون ميناء محوري لأعالي البحار بطاقة معالجة تفوق 4.5 مليون حاوية سنوياً)، وموانئ وهران، الجزائر العاصمة، عنابة، ومستغانم. هذه الهيئة ستكون المسؤولة المباشرة عن رقمنة المعاملات المينائية بالكامل، وربط الموانئ بشبكات السكك الحديدية اللوجستية لنقل البضائع والمناجم، وتأمين المنشآت القاعدية البحرية؛ مما يرفع من تصنيف الجزائر في مؤشر الأداء اللوجستي العالمي (LPI) الصادر عن البنك الدولي، ويمنح السلع الجزائرية الموجهة للتصدير مرونة زمنية وسعرية غير مسبوقة.
ويتزامن إطلاق هذا الإطار القانوني مع القفزة الصناعية والتصديرية التي تسجلها الجزائر لعام 2026 في قطاعات الحديد، الفوسفات، والإسمنت، وهي مواد ثقيلة تتطلب موانئ عصرية مجهزة بأرصفة ذات أعماق كبرى تتجاوز 16 متراً لاستقبال سفن الشحن العملاقة من جيل “باناماكس”. وستتولى السلطة الجديدة الإشراف على صفقات التوسعة وعمليات جرف الموانئ الدورية، بالإضافة إلى جلب شراكات دولية متخصصة في إدارة المحطات الحاويات، مما يضمن تحسين كفاءة الخدمات البحرية، وخفض تكاليف الشحن الدولي من وإلى الجزائر بنسب تتراوح بين 15\% و20\%، وهو ما ينعكس إيجاباً على أسعار المواد الاستهلاكية في السوق المحلية.
الرقمنة الشاملة والعبور اللوجستي نحو الأسواق العالمية
وفي سياق متصل، تمثل “السلطة المينائية الوطنية” الذراع التنفيذي للحكومة لتطبيق استراتيجية “الموانئ الذكية خالية من الأوراق”؛ حيث ستجبر الهيئة الجديدة كافة المتدخلين في السلسلة اللوجستية (جمارك، شرطة الحدود، بوابات الفحص الطبي والبيطري، والوكلاء البحريين) على الانضواء تحت منصة رقمية موحدة للترخيص المسبق للبضائع وتخليصها في مدد زمنية لا تتعدى 24 ساعة، بدلاً من الأسابيع التي كانت تضيع في المعاملات الورقية الكلاسيكية. هذا التحول الرقمي لا يسرع الدورة الاقتصادية فحسب، بل يضمن أعلى درجات الشفافية والرقابة، ويقضي نهائياً على كل أشكال المحاباة أو البيروقراطية في حجز الأرصفة والمستودعات.
وبالنظر إلى الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية لعام 2026، فإن عصرنة الموانئ الجزائرية تحت راية سلطة وطنية موحدة يعزز من مكانة البلاد كبوابة لوجستية رئيسية نحو القارة الإفريقية؛ فربط هذه الموانئ المحدثة بالطريق العابر للصحراء وبشبكة خطوط السكك الحديدية الجديدة الممتدة نحو ولايات الجنوب، سيجعل من الجزائر مركزاً عالمياً لخدمات “العبور والمسافنة” (Transshipment) لصالح الدول الإفريقية المغلقة التي لا تملك منافذ بحرية (مثل مالي والنيجر)، مما يخلق موارد مالية جديدة ومستدامة بالعملة الصعبة خارج قطاع المحروقات.
وفي الختام، يبرهن مشروع إنشاء “السلطة المينائية الوطنية” على أن الحكومة تمضي بثبات نحو تفكيك القواعد الإدارية القديمة وتستبدلها بنماذج حوكمة تجارية عصرية واحترافية. إن تأمين المجال المينائي العمومي ورفع كفاءته التشغيلية هو المدخل الإجباري لإنجاح قانون الاستثمار الجديد واستقطاب كبرى الشركات الصناعية العالمية؛ فالاستثمار الحقيقي يبدأ من موانئ سريعة وآمنة وذكية، لتؤكد الجزائر مجدداً أنها تبني بنية تحتية سيادية صلبة تضمن لها الريادة الاقتصادية الإقليمية في البحر المتوسط وتصون مصالحها الاستراتيجية للأجيال القادمة.



