تتجه الجزائر بخطى متسارعة نحو ترسيخ موقعها كفاعل صناعي جديد في سوق الأسمدة العالمية، من خلال ربط ثلاثة عناصر استراتيجية هي اليوريا والأمونياك والفوسفات، في مسعى يعكس تحولا هيكليا في الرؤية الاقتصادية يقوم على تثمين الموارد الطبيعية وتحويلها إلى قيمة مضافة قابلة للتصدير، بعيدا عن الاعتماد التقليدي على المحروقات.
وفي هذا السياق، يبرز توجه السلطات العليا في البلاد نحو جعل قطاع المناجم رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني، حيث تم التأكيد على ضرورة تحويله إلى قطاع حيوي مُدرّ للثروة وقادر على إحداث قطيعة تدريجية مع التبعية للمحروقات، عبر تطوير سلاسل صناعية متكاملة ترتكز على الموارد المتوفرة محليا، وعلى رأسها الفوسفات الذي يمثل أحد أهم المواد الأولية في صناعة الأسمدة.
ويأتي هذا التوجه مدعوما بأهداف زمنية واضحة، إذ تم تكليف القطاع بالعمل على بلوغ مرحلة تصدير الفوسفات في آفاق مارس 2027 كأقصى تقدير، تزامنا مع استكمال أشغال الرصيف المنجمي في إطار توسعة ميناء عنابة، ما يعكس إرادة تسريع الانتقال من مرحلة الاستغلال الأولي إلى مرحلة التصدير المنظم والاندماج في الأسواق الدولية.
وفي موازاة ذلك، تم الأمر بالإطلاق الفوري لأشغال إنشاء وحدات معالجة المادة الأولية بمنجم بلاد الحدبة، بما يسمح بتحويل الفوسفات محليا بدل تصديره في شكله الخام، وهو ما يعزز القيمة الاقتصادية للمنتج ويرفع من تنافسيته في الأسواق العالمية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الأسمدة المركبة التي تجمع بين النيتروجين والفوسفور.
وتكتمل هذه المنظومة الصناعية مع التوجه نحو دعم إنتاج وتخزين مادتي اليوريا والأمونياك، اللتين تمثلان العمود الفقري للأسمدة النيتروجينية، حيث تم التأكيد على ضرورة تشييد مخازن خاصة بهما وفق المعايير التقنية الدولية، بالنظر إلى خصوصيتهما وارتباطهما بشروط تخزين دقيقة، بما يضمن استمرارية الإنتاج وتفادي أي اختلالات في سلاسل التموين.
ويعكس الجمع بين هذه المواد الثلاث، أي اليوريا والأمونياك والفوسفات، رؤية صناعية متكاملة تهدف إلى إنتاج الأسمدة بمختلف أنواعها محليا، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الأولية، وهو ما يمنح الجزائر فرصة للتموقع ضمن الدول الفاعلة في هذا القطاع الاستراتيجي، خاصة في ظل الاضطرابات التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية والحاجة المتزايدة إلى مصادر موثوقة.
وفي ظل هذه الديناميكية، تتجه الجزائر نحو بناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على تحويل الثروات الطبيعية إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية، ما يفتح آفاقا واسعة للاستثمار والتصدير، ويعزز من قدرتها على تحقيق تنويع اقتصادي فعلي، عبر دخول أسواق عالمية حساسة مثل سوق الأسمدة، التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية للأمن الغذائي العالمي.



