تتسارع الخطى في شرق البلاد لتجسيد واحد من أضخم المشاريع الإستراتيجية القادرة على إحداث زلزال اقتصادي وفلاحي حقيقي، يضع الجزائر في صدارة القوى المنتجة والمصدرة للمخصبات الزراعية في القارة الإفريقية.
هذا المشروع العملاق، الذي يتجاوز في أبعاده الاستثمارية النمط التقليدي، يمثل البداية الفعلية لولادة قطب صناعي متكامل يدمج بين ثروات باطن الأرض والتحويل التكنولوجي عالي القيمة، ليرسم ملامح مرحلة جديدة من السيادة الغذائية والمالية.
وتكشف البيانات الرقمية والتقنية الخاصة بمشروع الفوسفات المدمج عن حجم الاستفاقة الصناعية التي تشهدها ولايات الشرق، حيث يتربع منجم منطقة “بلاد الحدبة” بولاية تبسة على إحدى أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم بأسره، باحتياطي إجمالي مرعب يتجاوز عتبة 3 مليارات طن، منها 841 مليون طن قابلة للاستغلال الفوري والفعلي في الوقت الراهن، مما يمنح المنظومة الاستخراجية نفساً تشغيلياً يمتد لعقود طويلة من الزمن.
هذا المخزون الجيولوجي الضخم لا يهدف إلى التصدير الخام بأسعار زهيدة، بل يخضع لشبكة ربط صناعي لوجستية معقدة تمتد فروعها التحويلية لتشمل منشآت ومصانع متطورة في ولايتي سوق أهراس وسكيكدة، مما يسمح برفع طاقة الإنتاج إلى 10.5 مليون طن سنوياً من المادة الخام، والتي يجري تخصيبها كيميائياً لينتج عنها 6 ملايين طن سنوياً من الفوسفات المخصب والأسمدة الفوسفاتية التي يحتاجها القطاع الفلاحي الوطني لتأمين المحاصيل الإستراتيجية ومواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
ولا تتوقف ارتدادات هذا القطب العملاق عند حدود الدعم الفلاحي فحسب، بل تمتد لتحدث نقلة نوعية في الميزان التجاري للبلاد، إذ من المتوقع أن تدر عمليات استغلال وتحويل وتصدير هذا الفائض من الأسمدة نحو الأسواق الدولية مداخيل ضخمة تتراوح بين 2 و4 مليار دولار سنوياً تنعش الخزينة العمومية خارج قطاع المحروقات، بالتوازي مع توفير بيئة تنموية خصبة تستوعب آلاف الكفاءات واليد العاملة الوطنية، مما يجعله القاطرة الإستراتيجية الأقوى لتأمين مستقبل الأجيال القادمة.



