في أقصى الذاكرة الأفريقية، وقبل أن تطأ أقدام المنقبين في مناجم “كيمبرلي” بجنوب أفريقيا عام 1867، كانت الرمال الجزائرية تهمس بسِرٍّ تليد، وتخبئ في أحشائها جواهر نادرة أضاءت ظلمات التاريخ الجيولوجي.
فبين انسياب وادي الرمال بقسنطينة وسكنات الكثبان الذهبية في رقان وأولف، تختبئ حكاية ريادة جغرافية استثنائية تجعل من الجزائر المهد الأول لاكتشاف الألماس في القارة السمرة.
تكشف الأوراق البحثية والمخطوطات الأكاديمية الصادرة عن باحثين دوليين ومحليين—من أمثال Gaston Godard وMoulley Charaf Chabou وZouhir Adjerid وAbderrahmane Bendaoud—عن فصل مجهول من أسرار الصحراء الكبرى.
حيث تفصح المجلدات أن ساكنة هذه الأرض عرفوا مكامن الحجر النفيس واستخرجوه قبل العصر الاستعماري بقرون، بمكامن تمتد بين أدرار وأولف ورقّان، عُرف في الأدبيات العربية والفرنسية بـ «بلد الألماس» (Bled el-Mass).
بريق وادي الرمال.. ماسة قسنطينة ولغز الفيزياء الجيولوجية
تنطق الأرشيفات محفوظة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بباريس بوجدان قصة بدأت عام 1833 عند أعتاب سيرتا العتيقة.
وبعد احتلال المدينة وقعت في اياد المستعمر ثلاث بلورات ماسية نادرة التقاطاً من رواسب وادي الرمال الذهبية.
إحدى هذه الماسات التاريخية (تحت الرمز MIN000-5608) بوزن يبلغ 91 مليغراماً (نحو 0.45 قيراط)، وتزينت بلون أخضر زيتي ساحر وشكل ثماني الأوجه شبيه بالقطرة المتلألئة.
ولحسم الجدل حول أصلها، أخضعها العلماء لتقنيات المجهر الإلكتروني وطيف رامان، لتظهر البصمة الطيفية الفريدة عند الرقم الموجي 1333.3 \text{ cm}^{-1}.
غير أن السر الأعظم تمثل في دوائر الإشعاع الدقيقة (Radiohalos) المكتشفة على سطح البلورة فهذه الهالات الإشعاعية، الناتجة عن مجاورة ذرات اليورانيوم والثوريوم في الصخور الرسوبية، أثبتت أن الماسة بقيت غافية في قاع الحجر الرملي النوميدي الجزائري لعدة ملايين من السنين، مجهضةً أي ادعاء ينسبها لأسواق الهند أو البرازيل، ومؤكدة أصالتها الأفريقية الخالصة.
مخطوط الطواصي.. شهادة حية من قلب «بلد الألماس»
لم تكن الجواهر مجرد مصادفة في وادي الرمال، بل كانت أسلوب حياة وثقافة استخراج في أقصى الجنوب. ففي مخطوط تاريخي مؤرخ في 14 سبتمبر 1851 في الأرشيف الفرنسي، دون العالم والشيخ المازوني الطواصي—أحد أعيان عين صالح وأولف—شهادة رفيعة عن سر المنطقة:
“وأما الماس، فقد وجدناه في بلادنا، أي في حوز أرقان ونواحي أكابلي، في وسط تلك الحجارة السوداء.. يخرج منه شبه حب الرمان في وسطه أحجار سوداء تبرق بريقاً معيناً، ولعدم وجود آلات كسرها نكسرها في موضعها.. وتسمى هذه المنطقة بـ بلد الماس“.
كان السكان يطلقون على الألماس اسم “اليجمنت” بلغتهم المحلية، ويستخدمون قساوته المطلقة لتثقيب الأحجار الكريمة وصياغة الحلي. يمتد هذا المعلم على شريط رسوبي مهيب يبلغ طوله 130 كيلومتراً، بين أكابلي وأولف وجبل الأبرز ورقّان، حافاً بأطراف هضبة تدمايت الساحرة.
أكثر من 1500 بلورة.. حين تصدق الأرقام أساطير الصحراء
جاءت الحملات التنقيبية الحديثة التي قادتها هيئات البحث المنجمي الوطنية (SONAREM وORGM) لتزيل الستار عن الحقيقة الميدانية. فبين جبال الهقار وحوض رقان، جمع الجيولوجيون أكثر من 1500 ماسة بلورية من رواسب العصر الرباعي في منطقة بلد الألماس وجبل الأبرز.
تنوعت البلورات المستخرجة بين أشكال ثمانية وأثني عشر أوجهاً، محتفظة بإدراجات معدنية نادرة من الكروميت والبيروب، والتي تشير إلى نشأتها في سحيق الجبة الأرضية على عمق يتجاوز 150 كيلومتراً تحت سطح الأرض. وتواصلت الاكتشافات في مناطق “سيلت”، و”إن أوزال”، و”تيزرين” بتمنراست، أين أثبتت المسوحات أن الدرع التوارقي يحتضن ثروة ماسية متناثرة تحت الرداء الرملي.
لغز الصخرة الأم.. أين تختبئ أنابيب الكيمبرليت؟
يقف العلم اليوم أمام اللغز الأخير: أين هي الصخور البركانية الأم (Kimberlites) التي رفعت هذه الجواهر من أعماق الأرض؟
تتجه الفرضيات الحديثة نحو ثلاثة احتمالات جيولوجية تفسر هذا التواجد الاستثنائي:
- أنابيب الكيمبرليت العميقة: احتمال وجود بركانيات قديمة مدفونة تحت كثبان عرق الشاش ودرع إيجلاب بالقرب من تندوف وأدرار، على غرار الاكتشافات الماسية في كراتون غرب أفريقيا.
- صخور اللامبرويت الشمالية: ارتباط ماسات قسنطينة بصخور بركانية غنية بالبوتاسيوم تتوزع في الشمال الشرقي الجزائري.
- الخزانات الرسوبية العظمى: استقرار الألماس في الحجر الرملي التباشيري عبر المجاري المائية القديمة التي جرفت الصحراء قبل ملايين السنين، مما يجعل المنطقة حاوية لمجمعات رسوبية ضخمة (Placer Deposits).
من الذاكرة التاريخية إلى الريادة الاقتصادية
إن إعادة القراءة في تاريخ “بلد الألماس” لا تقف عند حدود المباهاة بالماضي الجيولوجي، بل تشكل دعوة مفتوحة لإعادة صياغة الخريطة المنجمية الوطنية. إن استخدام تقنيات المسح الجيوفيزيائي الجوي، واستقطاب التكنولوجيا الحديثة لمعالجة الرواسب السطحية في حوض رقان والهقار، يمثلان بوابة استراتيجية لبعث صناعة الأحجار الكريمة وتنويع الموارد السيادية.
يبقى “بلد الألماس” شاهداً أزلياً على أن الصحراء الجزائرية لا تطوي تحت رمالها النفط والغاز فحسب، بل تحتفظ بأقدم حكايات البريق في القارة السمراء، منتظرة سواعد الاكتشاف لتعيد للكنز المدفون مجده القديم.



