التنين على العرش المائي: كيف فرضت الصين سيطرتها المطلقة على التجارة البحرية؟

تحليل

​تستحوذ التجارة البحرية على نحو 80% من حجم التبادلات التجارية الدولية وفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، مما يجعل القنوات الملاحية والبنية التحتية للموانئ الشريان الحيوي الأول لتدفق البضائع والسلع الاستراتيجية.

وفي الوقت الذي يتركز فيه النقاش الجيوسياسي العالمي حول الصراعات التكنولوجية والعسكرية، استطاعت بكين عبر خطة صناعية ولوجستية طويلة الأمد بناء هيمنة مطبقة ومتكاملة الأركان على كافة مفاصل سلاسل الإمداد المائية، بدءاً من توريد المواد الخام والصلب، مروراً بترسانات بناء السفن وعملاقات الملاحة، وصولاً إلى إدارة الموانئ واحتكار صناعة الحاويات والرافعات الميكانيكية.

​إن السيطرة الصينية على البحار والمحيطات لم تعد مجرد امتلاك لأسطول تجاري ضخم، بل تحولت إلى منظومة اقتصادية وسيادية متماسكة تضمن التحكم المباشر في حركة البضائع العالمية وتأمين الإمدادات الوطنية، مما يمنح الصين نفوذاً لوجستياً غير مسبوق في إعادة رسم قواعد الاقتصاد العالمي.

​الموانئ العالمية: أخطبوط الشبكات الملاحية والسيطرة على أرصفة العالم

​تظهر بيانات حركة الحاويات هيمنة آسيوية صريحة يقودها المحرك الصناعي الصيني، حيث تستحوذ الموانئ الصينية على 6 مراكز ضمن قائمة أكبر 10 موانئ للحاويات على مستوى العالم.

​يتصدر ميناء شنغهاي القائمة العالمية بصفته أكبر مركز لمناولة الحاويات بحجم أداء بلغ 55.06 مليون حاوية نمطية. ويتبعه ميناء نينغبو تشوشان في المرتبة الثالثة عالمياً بحجم مناولة قدره 43.87 مليون حاوية نمطية، ثم ميناء شنتشن في المرتبة الرابعة بحجم 35.41 مليون حاوية نمطية.

كما يبرز ميناء تشينغداو في المركز الخامس بمناولة 34.20 مليون حاوية، وميناء قوانغتشو في المركز السادس بـ 28.05 مليون حاوية، إضافة إلى ميناء تيانجين الذي يحتل المرتبة الثامنة عالمياً بحجم 24.03 مليون حاوية نمطية.

​ولا يقف هذا النفوذ اللوجستي عند حدود الموانئ المحلية داخل الأراضي الصينية، بل يمتد عبر شبكة استثمارات خارجية تديرها مجمعات مملوكة للدولة، في مقدمتها مجموعة “كوسكو للشحن” (COSCO Shipping) ومجموعة “تجار الصين للموانئ” (China Merchants Port).

واستثمرت هذه المؤسسات في أكثر من 100 ميناء تجاري وحيوي يتوزع على القارات الخمس، بما في ذلك موانئ استراتيجية في قلب القارة الأوروبية مثل ميناء بيرايوس اليوناني، وموانئ روتردام وهامبورغ، إضافة إلى منشآت بحرية مفصلية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

تضمن هذه الشبكة كفاءة تدفق الصادرات الصينية، وتمنح بكين أداة تحكم استراتيجية في إدارة أزمات التوريد واختناقات سلاسل التموين العالمية.

​بناء السفن: احتكار الترسانات وسيادة الصلب

​تُعتبر صناعة السفن والناقلات العملاقة الرافعة التكنولوجية المباشرة للسيطرة على البحار. وحققت الصين طفرة تاريخية في هذا المجال، حيث ارتفعت حصتها من إنتاج السفن العالمي لتتجاوز 53% من إجمالي الحمولة العالمية، مع استحواذ ترساناتها على أكثر من 70% إلى 80% من إجمالي الطلبيات الجديدة لبناء السفن على المستوى الدولي.

​تستند هذه الصدارة إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

​تتصدّر “الشركة الصينية لبناء السفن” (CSSC)، وهي مجمع عملاق مملوك للدولة، سوق بناء الناقلات الحاويات وسفن الغاز المسال والناقلات الضخمة، حيث تنتج سنوياً حمولات تجارية تفوق ما تنتجه دول صناعية كاملة مجتمعة.

​تعتمد الترسانات الصينية على الإمداد المباشر من مصانع الصلب الوطنية بأسعار تنافسية مدعومة بالسياسات الصناعية، مما يقلل تكلفة بناء السفينة الواحدة مقارنة بالترسانات المنافسة.

​يوفر النظام المالي الصيني عبر البنوك الحكومية خطوط تمويل وقروضاً ميسرة لبناء الأساطيل التجارية، مما جذب كبريات شركات الملاحة العالمية للتعاقد مع الترسانات الصينية لتحديث أساطيلها.

​وفي المقابل، أدى تراجع القدرات التجميعية والتصنيعية لترسانات بناء السفن في الدول الغربية إلى اعتماد سوق التجارة البحرية الدولي بشكل شبه مطلق على الترسانات الصينية لتأمين أساطيل نقل البضائع والوقود والسلع الفلّة.

​الأساطيل التجارية ومجموعات الشحن العملاقة

​من حيث ملكية السفن والقوة الساكنة (DWT)، تحتل الصين موقعاً متقدماً ضمن كبار مالكي الأساطيل التجارية في العالم. ويتجاوز حجم أسطولها التجاري المباشر 347 مليون طن ساكن، لتأتي في المرتبة الثانية عالمياً بعد اليونان، ومتقدمة على اليابان وسنغافورة.

​وعلى مستوى تشغيل سفن الحاويات وإدارة الخطوط الملاحية، تصنف مجموعة “كوسكو” (COSCO SHIPPING) الصينية ضمن قائمة أكبر أربع شركات شحن عالمياً بطاقة استيعابية تتجاوز 3.68 مليون حاوية نمطية وبأسطول يتكون من مئات السفن الحديثة. وتشكل هذه المجموعة الشريان اللوجستي المباشر لنقل منتجات المصانع الصينية نحو مختلف الأسواق، متكاملة مع شراكات ملاحية دولية تجعل من الصعب تهميش الخطوط الصينية في أي مسار تجاري بحري.

​الحاويات ومعدات الموانئ: السيطرة الخفية على الشرايين الميكانيكية

​تكتمل أركان الهيمنة الصينية عبر قطاعين تقنيين يشكلان البنية التحتية التشغيلية لكافة الموانئ وخطوط الشحن العالمية:

​تنتج المصانع الصينية أكثر من 95% من حاويات الشحن الحديدية النمطية المستعملة في التجارة الدولية، بالإضافة إلى استحواذها على معظم إنتاج الحاويات المبردة والمخصصة للمواد الغذائية والطبية. وفي حالات وقوع أزمات في سلاسل الإمداد، تكون المصانع الصينية هي المورد الوحيد القادر على التحكم في معروض الحاويات وإعادة ضبط السوق.

​تستحوذ الشركة الصينية الهندسية للمعدات الثقيلة (ZPMC) على حصة تتراوح بين 70% إلى 80% من السوق العالمي لرافعات الحاوية العملاقة التي تعمل على أرصفة الموانئ. وتنتشر هذه الرافعات الضخمة ذات لونها الأزرق المميز في أكثر من 100 دولة، مما يعكس نفوذاً هندسياً وتكنولوجياً صينياً في عمليات التفريغ والتحميل داخل كبرى الموانئ العالمية.

​طريق الحرير البحري: هندسة جيوسياسية للممرات المائية

​تتوج الصين هذه القوة التصنيعية واللوجستية عبر إطار استراتيجي واسع النطاق يندرج ضمن “طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”. وتعمل هذه الاستراتيجية على تحقيق عدة أهداف حيوية:

​تأمين الممرات الملاحية الاستراتيجية التي تربط الموانئ الصينية بالمحيط الهندي عبر مضيق ملقا، والوصول إلى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

​توجيه الاستثمارات نحو إنشاء وتطوير الموانئ في القارات النامية، لربط خطوط التصدير الصينية بمصادر المواد الخام والأسواق الواعدة بشكل مباشر دون وسطاء.

​الاستثمار في خطوط الملاحة القطبية في الشمال لتقليل زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا وتوفير مسارات بديلة للممرات البحرية التقليدية