يستعد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، للقيام بزيارة رسمية إلى الجزائر الأسبوع المقبل، في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية بالغ الأهمية لإنهاء مخلفات الأزمة الدبلوماسية السابقة. وحسب ما أوردته يومية “إل بريوديكو” (El Periódico) الإسبانية، فإن تركيبة الوفد المرافق لسانشيز تكشف عن رغبة مدريد في وضع قطاع الطاقة كأولوية قصوى، حيث سيرافقه رؤساء أربعة من أقوى المجمعات الطاقوية في إسبانيا وهي: “Naturgy” و”Repsol” و”Enagás” و”Moeve”.
وتعكس هذه المشاركة رفيعة المستوى لعملاقة الطاقة الإسبانية، التوجه الجديد لمدريد الرامي إلى تحصين إمدادات الغاز الطبيعي التقليدية، إلى جانب فتح آفاق تعاون جديدة تشمل الطاقات منخفضة الكربون والهيدروجين الأخضر.
براغماتية الطاقة.. الغاز الجزائري لم يتوقف رغم عامين من الجفاء السياسي
رغم حدة الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عام 2022 إثر تغير موقف مدريد من قضية الصحراء الغربية، وما تلاها من تعليق لمعاهدة الصداقة وتجميد شبه تام للمبادلات التجارية، إلا أن براغماتية قطاع الطاقة فرضت نفسها؛ إذ لم يتوقف تدفق الغاز الجزائري نحو شبه الجزيرة الإيبيرية ليوماً واحداً.
واستمر غازودوك “ميدغاز” (Medgaz)، الرابط المباشر الوحيد بين البلدين، في العمل بكامل طاقته التشغيلية لتأمين الشحنات التعاقدية طويلة الأجل التي لا تتأثر بالتقلبات السياسية. وقد مهد هذا الاستقرار الطاقوي الطريق لبدء مرحلة التطبيع التدريجي، والتي تكللت بوصف الرئيس عبد المجيد تبون لإسبانيا بـ “الدولة الصديقة”، واختيارها كضيف شرف في معرض الجزائر الدولي، وصولاً إلى الزيارة التمهيدية لوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في مارس 2026، والتي شهدت فوراً رفع التدفقات اليومية لـ “ميدغاز” من 28 إلى 32 مليون متر مكعب.
تفاصيل الوفد الطاقوي: Naturgy وRepsol وEnagás وMoeve في الجزائر
تجسد الشركات الأربع المختارة لمرافقة سانشيز عمق وتنوع المصالح الاقتصادية بين الجزائر ومدريد، حيث يمثل كل مجمع ملفاً استراتيجياً قائماً بذاته:
- مجمع Naturgy: يرتبط بعلاقات تاريخية مع الجزائر، حيث تحوز شركة “سوناطراك” على حصة تقدر بنحو 4% من رأس مال هذا المجمع الإسباني.
- مجمع Repsol: ينشط بشكل وثيق ومستمر إلى جانب “سوناطراك” في مجالات استكشاف وإنتاج المحروقات، لا سيما في حوض “بركين” الغني بالغاز والنفط.
- مجمع Enagás: شريك استراتيجي لسوناطراك في إدارة وتسيير منشآت أنبوب “ميدغاز” المسؤول عن نقل الحجم الأكبر من الغاز نحو إسبانيا.
- مجمع Moeve (سيبسا سابقاً): يمثل الوجه المستقبلي للشراكة، حيث يركز على قطاعات الوقود المستدام، الجزيئات منخفضة الكربون، ومشاريع الطاقة النظيفة.
الهيدروجين الأخضر.. الميدان الجديد للتعاون الاستراتيجي بين البلدين
تفتح مشاركة شركة “Moeve” في الوفد الرسمي آفاقاً تتجاوز المحروقات التقليدية، حيث يبرز الهيدروجين الأخضر كعنوان رئيسي للشراكة المستقبلية على المديين المتوسط والطويل.
وتملك الجزائر مؤهلات جغرافية وطبيعية استثنائية تؤهلها لريادة هذا السوق الناشئ، مستفيدة من معدلات تشمّس قياسية، مساحات شاسعة، وقرب جغرافي مباشر من إسبانيا التي تمثل أول نقطة دخول وممر رئيسي لنقل الطاقة النظيفة من شمال إفريقيا نحو عمق القارة الأوروبية.
المبادلات التجارية خارج المحروقات تسلك طريق التعافي بعد خسائر مليارية
إذا كان قطاع الطاقة قد نجا من تداعيات الخلاف السياسي، فإن المبادلات التجارية خارج المحروقات قد تلقت ضربة موجعة؛ حيث تراجعت الصادرات الإسبانية نحو الجزائر إلى 332 مليون يورو في عام 2023 مقارنة بنحو 1.9 مليار يورو في عام 2021، وسط تقديرات بتكبد الشركات الإسبانية خسائر إجمالية بلغت 3.2 مليار يورو خلال فترة الأزمة.
ومع حلول عام 2026، بدأت وتيرة عودة المؤسسات الإسبانية إلى السوق الجزائرية تتسارع بشكل ملحوظ بدعم سياسي من مدريد لتعويض المواقع المفقودة. ووصفت وزيرة التجارة الإسبانية، أمبارو لوبيز، الوضع الراهن بـ “السياق الإيجابي والمناسب جداً” للمتعاملين الاقتصاديين، حيث تأتي زيارة بيدرو سانشيز لتعطي الدفعة السياسية القصوى لعودة التبادلات التجارية إلى مستويات ما قبل الأزمة



