تقرير صندوق النقد الدولي 2026 حول إقتصاد الجزائر: إشادة النمو وتحذيرات الاحتياطي.. وقراءة مضللة؟

مال وبنوك

اختتم مجلس إدارة صندوق النقد الدولي مشاورات عام 2026 بموجب المادة الرابعة مع الجزائر، منشراً تقييمه الشامل والشرائح التفصيلية للمؤشرات الاقتصادية والمالية التي تغطي الفترة الممتدة من سنة 2023 إلى غاية 2031.

وأكد الصندوق في بيانه الصحفي رقم 26/290 الصادر بتاريخ 21 سبتمبر 2026، أن برامج الإصلاح المتخذة في الجزائر ساهمت بفعالية في تنويع الاقتصاد وتحقيق نمو صامد.

ورغم هذا الأداء الإيجابي، شدد الصندوق على وجود تحديات هيكلية تتعلق باتساع العجز المالي، وانخفاض الهوامش التمويلية في الموازنة العامة وفي الحسابات الخارجية. وتقرر إجراء المشاورات القادمة بموجب المادة الرابعة وفق الدورة الاعتيادية المحددة بـ 12 شهراً.

​مرتكزات تقييم الصندوق والبيان التنفيذي لعام 2026

​أوضح البيان الصحفي أن برنامج الإصلاحات الاقتصادية ساهم بشكل مباشر في دعم تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق نمو صامد، بالرغم من اتساع العجز المالي وتراجع الهوامش التمويلية المتاحة.

كما أشار التقرير إلى أن ارتفاع إيرادات المحروقات أدى إلى تحسين الآفاق الاقتصادية على المدى القصير، إلا أن تحقيق الاستدامة على المدى المتوسط يتطلب ضبط الموازنة، وتطبيق سياسة نقدية حذرة، وإبداء مرونة أكبر في سعر الصرف.

ورحب الصندوق بجهود التنويع الخارجي وبخروج الجزائر من قائمة المراقبة المعززة لمجموعة العمل المالي، مع التأكيد على ضرورة تعميق الإصلاحات الهيكلية لدعم نمو مستدام يقوده القطاع الخاص.

​مسار النمو الاقتصادي وتطور الأداء القطاعي

​سجل النمو الاقتصادي الحقيقي نسبة 4.1% في عام 2023، ثم 3.7% في عام 2024، و3.9% في عام 2025.

ويتوقع الصندوق استقراره عند 3.8% في عام 2026، ليبدأ تباطؤاً تدريجياً إلى 3.1% في عام 2027، و3.0% في عامي 2028 و2029، ثم يستقر عند 2.9% في عامي 2030 و2031. وفيما يخص قطاع المحروقات، فقد سجل نمواً بـ 5.2% في عام 2023، ثم تراجع إلى 1.3% في عامي 2024 و2025.

ويُتوقع أن يتعافى إلى 2.7% في عام 2026، قبل أن ينكمش بـ -0.8% في عام 2027، ويسجل نمواً طفيفاً بـ 0.1% في عام 2028، و1.4% في عام 2029، و1.2% في عامي 2030 و2031.

وفي المقابل، واصل القطاع خارج المحروقات أداءه القوي بنمو بلغ 3.2% في عام 2023، و4.3% في عامي 2024 و2025. والمتوقع أن يسجل 4.0% في عام 2026، و3.8% في عام 2027، و3.3% في عام 2028، و3.0% في عام 2029، و3.1% في عامي 2030 و2031.

​حركة الأسعار ومعدلات التضخم المتوقعة

​انتقل الرقم القياسي لأسعار المستهلك من 9.3% في عام 2023 إلى 4.0% في عام 2024، و1.4% في عام 2025. ويوضح التقرير أن التضخم انتقل تفصيلياً من -2.0% في سبتمبر 2025 إلى 5.2% في أبريل 2026، بسبب انقضاء فترة انخفاض أسعار المواد الغذائية وارتفاع أسعار الذهب والحلي بالأسواق المحلية.

وتشير التوقعات إلى تسجيل التضخم نسبة 5.3% في عام 2026، ثم تراجعه إلى 3.5% في عام 2027، و3.9% في عام 2028، ليستقر عند 3.8% سنوياً بين عامي 2029 و2031.

​توازنات الميزانية العامة والإيرادات والنفقات

​بلغت الإيرادات العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 31.9% في عام 2023، و23.8% في عام 2024، و26.3% في عام 2025. وتشير التقديرات إلى تسجيل 24.7% في عام 2026، و23.6% في عام 2027، و23.5% في عام 2028، و23.4% في أعوام 2029 و2030 و2031.

أما النفقات العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، فقد بلغت 37.4% في عام 2023، و37.8% في عام 2024، و36.8% في عام 2025. وتتوقع التقديرات تراجعها إلى 34.3% في عام 2026، و33.8% في عام 2027، و33.5% في عام 2028، و32.4% في عام 2029، و32.1% في عامي 2030 و2031. وبناءً على ذلك، سجل رصيد الميزانية الإجمالي عجزاً بـ -5.5% في عام 2023، و-14.0% في عام 2024، و-10.5% في عام 2025.

ويتوقع استمرار العجز عند -9.6% في عام 2026، و-10.2% في عام 2027، و-10.0% في عام 2028، و-9.0% في عام 2029، و-8.7% في عامي 2030 و2031.

​تطورات الدين العام الإجمالي للجمهورية

​انعكس تمويل العجز المالي على مسار الدين العام الإجمالي ، حيث ارتفع من 47.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، و48.1% في عام 2024، إلى 52.1% في عام 2025.

وتتوقع أرقام الصندوق مواصلة ارتفاعه المسجل ليصل إلى 55.2% في عام 2026، و60.4% في عام 2027، و66.4% في عام 2028، و71.2% في عام 2029، و75.4% في عام 2030، وصولاً إلى 79.0% في عام 2031.

​المعاملات الجارية واحتياطي الصرف وسعر النفط

​حقق ميزان الحساب الجاري كنسبة من الناتج الإجمالي فائضاً بـ 2.6% في عام 2023، ثم تحول إلى العجز بـ -1.1% في عام 2024، و-0.9% في عام 2025. ويتوقع أن يسجل -1.9% في عام 2026، و-2.3% في عام 2027، و-3.1% في عام 2028، و-2.5% في عام 2029، و-2.2% في عام 2030، و-2.0% في عام 2031.

وتأثراً بذلك، بلغت الاحتياطيات الرسمية من العملة الصعبة 68.9 مليار دولار في عام 2023 مما يغطي 15.6 شهر واردات، و68.8 مليار دولار في عام 2024 مما يغطي 11.1 شهر، و51.0 مليار دولار في عام 2025 مما يغطي 8.6 أشهر.

ويتوقع الصندوق انخفاضها إلى 46.5 مليار دولار في عام 2026 مما يغطي 8.1 أشهر، و41.0 مليار دولار في عام 2027 مما يغطي 7.2 أشهر، و33.4 مليار دولار في عام 2028 مما يغطي 5.8 أشهر، و27.8 مليار دولار في عام 2029 مما يغطي 4.8 أشهر، و23.0 مليار دولار في عام 2030 مما يغطي 3.9 أشهر، وصولاً إلى 19.8 مليار دولار بحلول عام 2031 مما يعادل 3.3 أشهر واردات.

اعتمد التقرير في توقعاته أسعاراً لبرميل النفط الجزائري المصدر بـ 83.9 دولاراً في 2023، و82.0 دولاراً في 2024، و69.4 دولاراً في 2025، و92.6 دولاراً في 2026، و83.4 دولاراً في 2027، و77.7 دولاراً في 2028، و75.2 دولاراً في 2029، و73.3 دولاراً في 2030، و71.8 دولاراً في 2031.

كما يتوقع التقرير ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية من 33,679 مليار دينار جزائري في عام 2023 إلى 49,728 مليار دينار جزائري في عام 2031، وهو ما ينعكس على حصة الفرد من الناتج المحلي لتنتقل من 5,353 دولار في عام 2023 إلى 6,860 دولار بحلول عام 2028.

​قراءة نقدية: تضليل فرضية تآكل الاحتياطي

​تطرح التوقعات التشاؤمية التي قدمها صندوق النقد الدولي بشأن تراجع احتياطي الصرف إلى 19.8 مليار دولار بحلول عام 2031 علامات استفهام منهجية كبيرة حول مدى واقعيتها واكتفائها بنمذجة خطية قاصرة تتجاهل الديناميكيات الهيكلية الميدانية للاقتصاد الجزائري.

فهذه النظرة السلبية تغفل عوامل محلية حاسمة كفيلة بمنع هذا السيناريو، وعلى رأسها التحكم الصارم والمستمر في كبح فاتورة الواردات وترشيدها، والتصاعد الملحوظ في معدلات نمو الصادرات خارج المحروقات المراهن عليها لتجاوز عقبة الارتهان للأسواق العالمية، بالإضافة إلى التوسع المتسارع في الاستثمارات الأجنبية المباشرة ومشاريع إحلال الواردات في قطاعات الفلاحة والصناعة والطاقة الشمسية.

ويحمل هذا التهويل المقلق بين طياته تلميحات غير بريئة تعكس خلفيات توجيهية لدى خبراء المؤسسة المالية الدولية، تسعى عبر الضغط النفسي والتهويل من العجز الخارجي والميزانياتي إلى دفع الجزائر للقبول بوصفات مجهزة سلفاً وإجبارها على الانفتاح غير المشروط والانصياع لمتطلبات الاستدامة الخارجية والمديونية الأجنبية، وهي آليات تخالف التوجه السياسي الوطني الرافض للهيمنة والتمويل الخارجي المقيد للسيادة الاقتصادية.

​حزمة التوصيات والتوجيهات الإصلاحية للخبراء

​قدم المدراء التنفيذيون في ختام التقرير حزمة من التوصيات الإصلاحية، حيث أكدوا أولاً على الضبط المالي التدريجي لحماية استدامة المالية العامة وتعبئة الموارد خارج المحروقات، مع ترشيد دعم الطاقة وتحويله إلى نظام الدعم المباشر الموجه للفئات الهشة.

وأشاروا ثانياً إلى عصرنة السياسة النقدية عبر تشديدها لمواجهة التضخم، والحد من التمويل النقدي إلا للضرورة القصوى، وإبداء مرونة أكبر في سعر الصرف لامتصاص الصدمات وتقليص فارق السوق الموازية.

وأشادوا ثالثاً بسلامة وربحية القطاع المصرفي البنكي، مع المطالبة بمعالجة الديون المتعثرة غير المؤدية، وإصلاح حوكمة البنوك العمومية، وتسهيل إجراءات النشاط أمام القطاع الخاص لإحلال الواردات وتوسيع التنافسية.

​قراءة تحليلية في أفق الاستدامة الاقتصادية حتى 2031

​تظهر المعطيات المعروضة في تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2026 أن الاقتصاد الجزائري يمر بمرحلة انتقالية حاسمة. فمن جهة، تعكس أرقام القطاع غير النفطي التي سجلت معدلات أعلى من 4% بين عامي 2024 و2026 مرونة ملحوظة ناتجة عن برامج الاستثمار العمومي وتشجيع الإنتاج المحلي والخروج من قائمة المراقبة لمجموعة العمل المالي، مما يعزز الثقة في البيئة المالية الوطنية.

ومن جهة أخرى، تكشف التوقعات الممتدة إلى غاية عام 2031 عن ضغوط هيكلية على الموازنة العامة والتوازنات الخارجية.

فإن استمرار تسجيل عجوزات ميزانياتية تقارب 9% إلى 10% من الناتج سينتج عنه تصاعد مسار الدين العام ليصل إلى 79% بحلول عام 2031.

وتتزامن هذه المديونية الداخلية المتصاعدة مع تراجع تدريجي لمصدات احتياطي الصرف لتصل إلى 19.8 مليار دولار بحلول عام 2031 نتيجة اتساع الواردات وتذبذب إيرادات الطاقة.

وختاماً، تؤكد القراءة الاقتصادية للتقرير أن تحويل النمو الراهن إلى تنمية مستدامة سيعتمد بشكل أساسي على مدى تسريع وتيرة ضبط المالية العامة، وتحرير القطاع الخاص لقيادة النمو، وتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات المباشرة كبديل للاعتماد المباشر على موارد المحروقات