قفزة أسعار الغاز في أوروبا بـ 167%.. كيف تتجه الجزائر لتحقيق عوائد مالية قياسية في 2026؟

طاقة ومناجم

​تشهد أسواق الطاقة الأوروبية حالة من الغليان مع قفز أسعار الغاز الطبيعي بنسبة بلغت 167% منذ بداية عام 2026، لتصل إلى مستوى 77.4 يورو لكل ميغاواط/ساعة. وتأتي هذه الصدمة السعرية نتيجة تضافر عدة عوامل جيو-اقتصادية؛ أبرزها الاضطرابات المتزايدة في حركة الشحن والتأمين عبر مضيق هرمز، وانخفاض مستويات المخزونات الميدانية لدى دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب المنافسة الشرسة مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال (LNG).

​وفيمَا تضع هذه التطورات ميزانيات الدول المستهلكة تحت ضغط شديد، تفتح هذه الطفرة السعرية آفاقاً استثنائية أمام الاقتصاد الجزائري لتعظيم إيراداته من النقد الأجنبي، مستفيداً من موقعه الجغرافي الاستراتيجي وبنيته التحتية القوية الممتدة عبر البحر الأبيض المتوسط.

​المكاسب المباشرة.. مرونة التعاقد والربط المباشر عبر الأنابيب

​تُعدّ الجزائر (عبر مجمع سوناطراك) ثاني أكبر مورّد للغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر الأنابيب. ويتيح هذا المركز التفاوضي والميداني الاستفادة من ارتفاع الأسعار من خلال محورين أساسيين:

​صيغ التسعير الديناميكية في العقود طويلة الأجل: ترتبط أجزاء كبيرة من عقود توريد الغاز الجزائري إلى إسبانيا وإيطاليا بمؤشرات أسعار الغاز الفورية في الأسواق الأوروبية (مثل مؤشر TTF الهولندية)، فضلاً عن السعر المرجعي للنفط، مما يعني انعكاس الارتفاع الحالي بصورة مباشرة واحتساب أرباح إضافية فورية على الكميات المصدرة.

​الميزة الاستثنائية لخطوط الأنابيب (ميدغاز وتدفق اتترانسميد): في الوقت الذي تتضاعف فيه تكاليف الشحن والتأمين البحري عبر الممرات المائية الحساسة كـ مضيق هرمز، تعتمد الجزائر على التصدير المباشر عبر أنابيب “ميدغاز” (نحو إسبانيا) و”ترانسميد” (نحو إيطاليا). وتُوفّر هذه الخطوط المباشرة استقراراً وثباتاً في التدفقات دون التأثر باضطرابات سلاسل الإمداد البحرية أو القفزات الحادة في أجور ناقلات الغاز المسال.

​مرونة الغاز المسال واختراق أسواق جديدة

​على الرغم من إعطاء الأولوية لتدفقات الأنابيب لخدمة العقود طويلة الأجل مع الشركاء التقليديين، تتيح قدرات التسييل الجزائرية (التي تتجاوز 25.5 مليون طن سنوياً في مركبي أرزيو وسكيكدة) استغلال الفرص الفورية في سوق الغاز المسال.

​وقد تجلّى هذا التمدد الاستراتيجي في نجاح سوناطراك بتوسيع محفظة زبائنها واختراق أقاليم جديدة، مثل بدء التوريد المباشر لنقاط التفريغ الألمانية (فيلهلمسهافن) وتركيا وفرنسا، وهو ما يسمح بتوجيه الشحنات الحرة نحو المشترين الأكثر استعداداً لدفع العلاوة السعرية (Premium) في أوقات الذروة الشتوية.

​تدعيم الاحتياطي النقدي والميزانية العامة

​تؤدي هذه الأرباح غير المتوقعة (Windfall Profits) إلى تعزيز قدرة المالية العامة على تحقيق الأهداف التالية:

  • ​توسيع الفائض في ميزان المدفوعات: تمنح الإيرادات الإضافية دعماً قوياً لاحتياطيات الصرف الأجنبي لدى البنك المركزي، مما يعزز الاستقرار النقدي ومستويات الشمول المالي.
  • ​تمويل التحول المنجمي والطاقوي: تُمكّن العوائد المالية الضخمة شركة سوناطراك من استثمار مبالغ أكبر في الاستكشاف والإنتاج (E&P)، والوفاء بتعهدات الشراكات الأجنبية المتنامية بالجنوب، فضلاً عن ضخ الاستثمارات في مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة.