من اليورانيوم إلى الذهب.. هل تفتح المالي مناجمها للجزائر؟

طاقة ومناجم

​ في إطار التحركات الدبلوماسية والاقتصادية المكثفة التي تشهدها المنطقة، والتي تعكس رغبة صادقة وعميقة بين الجزائر وباماكو في تعزيز أواصر الشراكة الاستراتيجية المباشرة القائمة على مبدأ التعاون “جنوب-جنوب”، تكللت زيارة العمل الرسمية التي قادت الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، إلى العاصمة المالية باماكو، بنتائج اقتصادية واواعدة ومحورية، فتحت آفاقاً غير مسبوقة للتعاون الثنائي بين البلدين الجارين.

​وكشف تقرير صحفي نشره موقع “MaliJet” المالي الصادر باللغة الفرنسية، أن السلطات المالية أبدت انفتاحاً كاملاً وغير مشروط أمام الوفد الجزائري رفيع المستوى، حيث قدمت باماكو عرضاً استثمارياً شاملاً يغطي عدة قطاعات حيوية واستراتيجية. ويأتي في مقدمة هذه القطاعات قطاع التعدين واستخراج الثروات الباطنية، وعلى رأسها الذهب ومعدن الليثيوم الاستراتيجي، إلى جانب قطاعات الفلاحة والصناعات الغذائية والتنمية الزراعية التي تشمل إنتاج وتجهيز القطن، الأرز، المانغو، والكاجو. وتُعد هذه الخطوة إشارة فارقة لتدشين مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي والنمو المشترك الذي يربط الجزائر بعمقها الإفريقي الطبيعي في منطقة الساحل.

​المقدرات المنجمية لمالي وفرص الشراكة الواعدة

​تُعتبر جمهورية مالي واحدة من أغنى دول القارة الإفريقية بالثروات المعدنية والموارد الباطنية الاستراتيجية، غير أن جزءاً كبيراً من هذه المقدرات لا يزال يفتقر إلى الاستغلال الأمثل والتكنولوجيات الحديثة المعقدة. ومن هذا المنطلق، يأتي العرض المالي للجزائر كفرصة استثمارية تبادلية تُحقق المنفعة المشتركة وتسمح بإنشاء سلاسل قيمة مضافة داخل المنطقة.

​تُصنف مالي في المرتبة 3 إفريقياً بين أكبر منتجي المعدن الأصفر بإنتاج سنوي يتجاوز 66 طناً من الذهب، بينما تُقدّر الاحتياطيات المؤكدة غير المستغلة بأكثر من 800 طن. ومن خلال فتح أبواب مناجمها أمام الخبرات الجزائرية، تسعى باماكو إلى نقل التكنولوجيا وتأهيل الكوادر وتحديث آليات الاستكشاف والتنقيب والمعالجة، فضلاً عن بناء شراكات متينة تُسهم في رفع القيمة المضافة للذهب داخل الأراضي المالية بدلاً من تصديره كمادة خام.

​كما يكتسب العرض المالي أهمية استراتيجية بالنظر إلى الاحتياطيات الضخمة الواعدة من معدن الليثيوم، حيث يمتلك مشروع “بوغوني” وحده احتياطيات تُقدر بـ 21 مليون طن من خاما السبودومين الحامل لليثيوم، بجانب مشروع “غولامينا” الذي يُصنف ضمن أكبر رواسب الليثيوم في العالم باحتياطيات تتجاوز 142 مليون طن. ويُعد الليثيوم عنصر الأساس في تحولات الطاقة العالمية وصناعة البطاريات الكهربائية للسيارات والهواتف والتقنيات الحديثة، مما يمنح الجزائر فرصة الاستحواذ على موضع قدم استراتيجي في سوق معادن المستقبل وتأمين المواد الأولية للصناعات التحويلية الوطنية والتصدير.

​ولم تتوقف المقترحات المالية عند حدود المناجم والثروات الباطنية، بل امتدت لتشمل قطاعات فلاحية استراتيجية ذات مردود اقتصادي عالٍ. فقد دعت باماكو المستثمرين والمؤسسات الجزائرية إلى الولوج في مشاريع استزراع وتصنيع القطن الذي يتجاوز إنتاجه السنوي 690 ألف طن، وزراعة الأرز بإنتاج يتعدى 2.8 مليون طن سنوياً، بالإضافة إلى الاستثمار في تحويل الفواكه الاستوائية مثل المانغو بإنتاج يزيد عن 600 ألف طن، والكاجو بإنتاج يتجاوز 100 ألف طن سنوياً، وهو ما يفتح منافذ جديدة أمام الصناعات الغذائية والتحويلية الجزائرية للوصول إلى الأسواق الإفريقية الواعدة وتحقيق التكامل الغذائي الإقليمي.

​الاستراتيجية الجزائرية الجديدة للاستثمار في الساحل: “حقل كفرا” بالنيجر أنموذجاً

​إن الدفعة القوية التي تشهدها العلاقات الجزائرية المالية في المجال الاقتصادي لا يمكن فصلها عن الرؤية الاستراتيجية الجديدة التي تبنتها الجزائر تجاه منطقة الساحل الإفريقي والعمق القاري. وتعتمد هذه الرؤية على الانتقال من أطر التعاون التقليدية والمبادرات الدبلوماسية والأمنية المحض، إلى بناء النموذج التنموي القائم على الاستثمار الميداني الفعال، وإنشاء شبكات مصالح اقتصادية متقاطعة تُسهم في تثبيت الاستقرار وتحقيق الرفاه الاقتصادي لشعوب المنطقة.

​وتستند الجزائر في اندفاعتها الاستثمارية الجديدة نحو الساحل إلى نماذج ميدانية ناجحة وأصول استراتيجية تم إنشاؤها وتطويرها على أرض الواقع، ولعل أبرز هذه النماذج يتجلى في التجربة الرائدة بجمهورية النيجر المجاورة، وتحديداً في “حقل كفرا” النفطي الذي يمتد على مساحة ضخمة تتجاوز 23,737 كيلومتر مربع في رقعة “كفرا 1″ و”كفرا 2” الواقعة شمال النيجر على الحدود الجزائرية مباشرة.

​حيث يتولى مجمع “سوناطراك” الجزائري عبر فرعه الدولي للنشاطات الخارجية إدارته وعمليات التنقيب والاستكشاف والتطوير في الحقل. وقد تمكنت الكوادر الجزائرية من تحقيق حفر آبار استكشافية ناجحة مثل بئر “KFR-1” وبئر “KFRN-1″، مما مكن من تأكيد وجود احتياطيات نفطية وقابلة للاستخراج تُقدر بعشرات ملايين البراميل من الخام، مما أثبت جدارة الجزائر وقدرتها التقنية والميدانية العالية على إدارتها للمشاريع المنجمية والطاقوية المعقدة في بيئات صحراوية وجغرافية صعبة.

​وتُشكل تجربة “حقل كفرا” بالنيجر الخافية والركيزة التي تبني عليها الجزائر استراتيجيتها الجديدة للحلول بالمنطقة، حيث تسعى الجزائر لتكرار هذا النموذج الناجح ذاته في مالي من خلال الدخول المباشر لمؤسسات قطاع الطاقة والمناجم لتطوير مناجم الذهب والليثيوم والموارد المعدنية الأخرى.

​وتتكامل هذه الاستثمارات المنجمية والميدانية مع خطوات الجزائر المتسارعة لتشييد البنى التحتية العابرة للحدود، وفي مقدمتها طريق “الوحدة الإفريقية” الذي يمتد على طول يتجاوز 9,400 كيلومتر، وفتح المعابر الحدودية والمناطق الحرة للتبادل التجاري، بالإضافة إلى خطوط النقل واللوجستيك. وتأتي هذه الخطوات لتسهيل نقل الاستثمارات والمعدات، وتأمين تدفق المواد الخام والمنتجات بين الجزائر ودول الساحل، مما يجعل من الجزائر شرياناً حيوياً ومركزا لوجستياً يربط إفريقيا بالأسواق الأوروبية والعالمية.

​إن التحول الاستراتيجي من الاكتفاء باستكشاف اليورانيوم والأنشطة التقليدية إلى الانفتاح الشامل على مناجم الذهب والليثيوم والقطاعات الزراعية في مالي، يعكس إرادة سياسية واقتصادية صلبة بين البلدين لجعل الشراكة الاقتصادية واقعاً ملموساً يخدم استقرار منطقة الساحل ويؤمن نموها الاقتصادي المستدام.