لم تعد المملكة العربية السعودية تكتفي بتقديم الحوافز الضريبية أو الاستثمارية التقليدية لاستقطاب شركات التكنولوجيا العالمية، بل انتقلت إلى تطبيق نموذج استثماري شامل يقوم على توظيف رأس المال السيادي، وتوفير البنية التحتية للطاقة، وتسهيل الوصول الحكومي لأحدث الرقائق الإلكترونية، في خطوات استباقية لتقليل مخاطر التطوير وبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي.
وتقود هذه الاستراتيجية الوطنية شركة الذكاء الاصطناعي “هيومين” (Humain)، التي تعمل على تجميع التمويل، الأراضي، الطاقة، وسعة مراكز البيانات من خلال شبكة واسعة من الاتفاقيات مع مؤسسات سعودية وشركات تكنولوجيا أمريكية كبرى، بهدف تهيئة البنية التحتية حتى قبل تأكيد حجم الطلب العالمي.
تمويلات مدعومة حكومياً تتجاوز النشر التشغيلي العادي
في إطار الخطط التمويلية الضخمة، أعلنت شركة “هيومين” وصندوق البنية التحتية الوطني السعودي عن إطار تمويلي بقيمة 1.2 مليار دولار أمريكي مرتبط بسعة مراكز بيانات تصل إلى 250 ميغاواط، لتشكيل بنية هيكلية تدعم استقطاب العملاء وتطوير المواقع بشكل مباشر.
وتسعى “هيومين” للوصول إلى قدرة استيعابية تصل إلى 6 غيغاواط بحلول عام 2034، في مشروع يتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات. وفي هذا الصدد، تم اختيار بنك “غولدمان ساكس” تقديم المشورة لتمويل مشروع بمنطقة الرياض بتكلفة تُقارب 5.33 مليار دولار (20 مليار ريال سعودي) لتوفير سعة تصل إلى 2 غيغاواط.
الشراكات الاستراتيجية ورهان عقود العملاء
تعتمد السعودية على معادلة تجمع بين التخطيط الحكومي والتطبيق التجاري المباشر، وتتجلى هذه الديناميكية في مشاريع متعددة:
- مشروع شركة “إس تي سي” (STC): تم تأسيس مشروع مشترك بين “هيومين” وشركة “سنتر 3” التابعة لـ STC بنسبة (51-49%) يستهدف إنشاء قدرة 1 جيجاوات مخصصة للذكاء الاصطناعي، تبدأ بمرحلة أولية تبلغ 250 ميجاوات مشروطة بالالتزامات التعاقدية.
- تحالف AMD وCisco: يستهدف مشروع “هيومين” مع عملاقي التكنولوجيا إنشاء طاقة بقدرة 100 ميجاوات مبدئياً باستخدام معالجات “Instinct”، تتوسع لتصل إلى 1 جيجاوات بحلول 2030، مع حجز السعة الأولى كاملاً لصالح شركة “Luma AI”.
بيئة حوافز متكاملة واتفاقيات ثنائية للرقائق المتطورة
تُقدم المنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية معالم ضريبية مخصصة ودعماً تنظيمياً، فضلاً عن أسعار تنافسية للكهرباء. لكن الاختلاف السعودي يكمن في دمج الحوافز التقليدية مع الاستثمار السيادي والوصول المباشر لسلسلة التوريد.
وعلى صعيد المعدات والمعالجات المتقدمة الخاضعة لضوابط التصدير الأمريكية:
- إنفيديا (Nvidia): كشفت عن خطط لتزويد المبادرات السعودية بـ 18 ألف معالج بلاكويل كدفعة أولى، ضمن شراكة قد تتوسع لتشمل مئات الآلاف من الرقائق.
- شراكات أمريكية واسعة: أعلنت AMD عن شراكة بقيمة 10 مليارات دولار لتوفير 500 ميغاواط من قدرة الحوسبة خلال 5 سنوات، إلى جانب اتفاقيات مع كوالكوم، سيسكو، وAWS لتطوير مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية.
تحديات الطاقة والمياه في المناخ الصحراوي
تمنح وفرة الغاز وانخفاض تكلفة توليد الكهرباء ميزة تنافسية للمملكة مقارنة بالأسواق الغربية، إلا أن الوصول للهدف النهائي (6 غيغاواط) يتطلب استهلاكاً سنوياً يصل إلى 52.6 تيراواط/ساعة عند الحمل الكامل، مما يستوجب إنشاء محطات فرعية وشبكات نقل مخصصة عالية الموثوقية.
كما يفرض المناخ الصحراوي تحديات تشغيلية تتعلق بأنظمة التبريد؛ حيث يتطلب التبريد التبخيري كميات كبيرة من المياه، بينما يستهلك التبريد الجاف طاقة أعلى في درجات الحرارة المرتفعة، وهو ما يجعل تكنولوجيا تحلية المياه والحلول المبتكرة جزءاً أساسياً من المعادلة الاقتصادية لتلك المشاريع.



