بينما تتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وترتفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات تجاوزت 90 دولاراً للبرميل، يبرز سؤال مباشر بالنسبة للجزائر: ماذا يعني هذا الفارق الكبير بين السعر الفعلي في الأسواق والسعر الذي بُنيت عليه ميزانية 2026؟
اعتمدت الجزائر في قانون المالية لعام 2026 سعراً مرجعياً للنفط يبلغ 60 دولاراً للبرميل، وهو رقم متحفظ يهدف عادة إلى حماية التوازنات المالية للدولة من تقلبات الأسواق العالمية. غير أن الوضع الحالي يكشف عن فجوة واسعة بين هذا التقدير والواقع الفعلي للأسعار.
فبحسب استطلاع لمحللين أجرته رويترز في أغسطس الماضي، من المتوقع أن تبقى أسعار النفط أعلى من 80 دولاراً للبرميل خلال عام 2026 بأكمله، مع استمرار الاضطرابات في حركة الشحن العالمية. هذا التقدير وحده يعني فارقاً لا يقل عن 20 دولاراً للبرميل الواحد، طوال العام، مقارنة بالسعر الذي بُنيت عليه الحسابات الرسمية.
ما الذي يغذي هذا الارتفاع؟
الوضع الراهن في الأسواق يعكس توتراً حقيقياً وليس مجرد تكهنات. فقد سجل خام برنت مؤخراً مستويات قاربت 91 دولاراً للبرميل، مدفوعاً باستئناف مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تهديدات أمريكية بمزيد من التصعيد. كما تراجعت بشكل ملحوظ حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر الذي كان يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع التوترات، ما يضيف ضغطاً إضافياً على الأسعار.
هذا المزيج من التوتر العسكري المباشر وتراجع الإمدادات يجعل من الصعب توقع عودة سريعة للأسعار إلى مستويات أقرب للسعر المرجعي الجزائري، على الأقل في المدى القريب.
ماذا يعني هذا الفارق للجزائر؟
من الناحية المبدئية، كل دولار إضافي فوق السعر المرجعي المعتمد في قانون المالية يمثل هامشاً إضافياً محتملاً في العائدات النفطية، خصوصاً أن الجزائر تعتمد بشكل كبير على صادرات المحروقات كمصدر رئيسي للعملة الصعبة ولتمويل الميزانية العامة.
لكن هذا الهامش الإضافي ليس مضموناً بالكامل ولا مستقراً بالضرورة؛ فالارتفاعات المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية تبقى عرضة للتقلب السريع، وأي تهدئة مفاجئة في الشرق الأوسط قد تقلص هذا الفارق خلال وقت قصير. كما أن حجم الاستفادة الفعلي يبقى مرهوناً بعوامل أخرى، أبرزها حجم الصادرات الفعلي وسعر صرف الدولار مقابل الدينار.
ويبقى الفارق الحالي بين التوقعات والواقع مؤشراً إيجابياً على المدى القصير لحسابات الخزينة العمومية، لكنه في الوقت ذاته تذكير بحجم اعتماد الاقتصاد الوطني على متغيرات خارجية لا تتحكم فيها الجزائر.



