ثاني أكبر شركة طاقة خاصة في العالم تزف بشرى سارة للجزائر

طاقة ومناجم

حمل التحديث السنوي الأخير الصادر عن شركة “شل” العالمية، ثاني أكبر شركة طاقة خاصة في العالم، مؤشرات إيجابية قوية وأبعاداً استراتيجية تصب في مجملها كبشرى سارة للاقتصاد الجزائري لعامي 2026 و2027.

ففي الوقت الذي تعيد فيه أسواق الطاقة ترتيب أوراقها عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، كشف تقرير “شل” عن تحولات لوجستية وجيوسياسية عاجلة في سلاسل الإمداد العالمية، تمنح الغاز المسال الجزائري الموثوق أفضلية تنافسية كبرى لتعويض النقص في الأسواق الدولية خلال المرحلة الراهنة والمقبلة.

زلزال مضيق هرمز في 2026 وبشرى الانتعاش الجزائري المرتقب في 2027

تسببت الأحداث الجيوسياسية وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز جراء الحرب الإيرانية في توقف نحو 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية، مما أحدث صدمة عنيفة في السوق الفورية خلال النصف الأول من عام 2026. ووفقاً لتقرير شركة “شل”، فإن منشآت الغاز الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، مثل مجمع راس لفان، تتطلب ما بين 6 إلى 8 أسابيع للعودة إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة بعد إعادة فتح المضيق المرتقبة هذا الصيف، وهو ما يفسر حالة “الركود المؤقت” وثبات حجم تجارة الغاز العالمية خلال العام الجاري 2026 عند مستويات العام الماضي البالغة 422 مليون طن.

هذا الانقطاع اللوجستي الطويل في سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز خلال عام 2026 يعزز بشكل مباشر مكانة الجزائر كبديل استراتيجي فوري وآمن لا يتأثر بالمضائق الآسيوية المضطربة. فالجزائر، التي تمتلك بنية تحتية قوية ومجمعات تمييع ضخمة في سكيكدة وأرزيو، باتت الوجهة المفضلة لكبرى الشركات العالمية الساعية لتأمين شحناتها، مما يضمن تدفقات مالية مستدامة للخزينة العمومية تسهم في دعم مخططات التنمية الوطنية والاستفادة من فترات ذروة الأسعار الحالية.

وترى شركة “شل” أن أحجام تجارة الغاز المسال العالمية ستتخلص من هذا الركود المؤقت لتعود إلى مسار النمو المتسارع مجدداً وبقوة مع مطلع العام المقبل 2027. هذا الانتعاش المرتقب لعام 2027 يمثل فرصة ذهبية لسوناطراك لزيادة حصتها السوقية وتوقيع عقود توريد جديدة قصيرة وطويلة الأجل، مستفيدة من جهوزية منشآتها والموثوقية العالية التي أظهرتها الجزائر كشريك طاقوي صلب في وقت عانت فيه الأسواق الآسيوية والأوروبية من انخفاض الشحنات القادمة من الشرق الأوسط.

طفرة تكنولوجية واستهلاكية تقود الطلب العالمي إلى 700 مليون طن بحلول 2050

وبالانتقال من التحديات اللوجستية الراهنة إلى الآفاق المستقبلية لأسواق الطاقة، توقعت شركة “شل” نمو الطلب على الغاز المسال عالميًا بنسبة قياسية تبلغ 65% بحلول عام 2050. وتشير البيانات التفصيلية لتقرير عملاق الطاقة العالمي إلى أن متوسط الطلب سيسجل نحو 695 مليون طن (ما يقارب 700 مليون طن سنويًا) بحلول منتصف القرن الحالي، مدعوماً بطلب غير مسبوق من بلدان جنوب وجنوب شرق آسيا التي تستحوذ وحدها على 40% من الواردات لتلبية احتياجات أسواقها الناشئة.

هذا النمو الحاد على المدى الطويل لا يقتصر على الاستخدامات التقليدية للمصانع، بل بات مدفوعاً بظهور قطاعات تكنولوجية واستهلاكية ناشئة، وعلى رأسها مراكز البيانات الشاملة (Data Centers) ومحطات توليد الكهرباء الداعمة لمشاريع الذكاء الاصطناعي التي تجتاح العالم. إلى جانب الطفرة الرقمية، يسجل قطاع النقل البحري تحولاً تكنولوجياً متسارعاً؛ حيث ترجّح توقعات “شل” أن يقفز معدل تزود السفن بالغاز المسال بمقدار 7 أضعاف المعدلات الحالية، ليسجل 27 مليون طن بحلول عام 2035 مع تجاوز عدد السفن العاملة به حاجز 800 سفينة حالياً.

وفي المقابل، تؤكد “شل” أن مواكبة هذا الطلب العالمي الهائل بحلول عام 2050 تتطلب ضخ استثمارات إضافية جبارة لإنتاج إمدادات جديدة تُقدَّر بنحو 200 مليون طن سنوياً، إلى جانب المشروعات قيد الإنشاء حالياً. ومن المأمول أن تشهد السوق إضافة 180 مليون طن من إمدادات الغاز المسال الجديدة سنويًا بدءًا من عام 2030، مما يمثل ضوءاً أخضر للجزائر من أجل تكثيف شراكاتها الأجنبية في مجالات الاستكشاف والتنقيب لتأمين حصة سوقية وازنة في خارطة الطاقة العالمية طويلة الأمد.

الغاز المسال الجزائري ركيزة أمن الطاقة الأوروبي والاقتصاد الأخضر

يمتد التأثير الإيجابي لتوقعات “شل” طويلة الأجل ليشمل دور الغاز المسال في تعزيز أمن الطاقة بالقارة الأوروبية، التي تعاني من نقص حاد في الإنتاج المحلي وتقطع مستمر في إمدادات مصادر الطاقة المتجددة. فالغاز الطبيعي المسال يعد، وفقاً للتقرير، الحل الجوهري والوحيد المتاح لتحقيق الاستقرار في شبكات الكهرباء ومرافقة مساعي بروجرسية لتنفيذ الانتقال الطاقوي والتحول التدريجي بعيداً عن الملوثات الكبرى مثل الفحم الحجري، مما يضع الجزائر في صدارة الشركاء الموثوقين لأوروبا.

وتستفيد الجزائر من هذه المعادلة لكونها ترتبط بعقود توريد طويلة الأجل مع كبرى مجمعات الطاقة الأوروبية، فضلاً عن قربها الجغرافي الذي يقلل من تكلفة الشحن والانبعاثات الكربونية الناتجة عن النقل البحري الطويل مقارنة بالموردين من أمريكا الشمالية. هذا التموقع الاستراتيجي يسمح لسوناطراك بالتفاوض من موقع قوة، مستغلة الطفرة التي شهدتها التجارة العالمية للغاز والتي نمت بنسبة 60% على مدار السنوات العشر الأخيرة، لترتفع من 264 مليون طن عام 2017 إلى 422 مليون طن حالياً مع زيادة عدد الدول المستوردة إلى 49 دولة.

وفي الختام، تعكس تصريحات مسؤول قسم الغاز المتكامل في شركة شل، سيدريك كريمرز، حول مرونة قطاع الغاز المسال وقدرته الفائقة على التكيف مع صدمات الحروب، حقيقة أن الغاز هو الركيزة الأساسية لمنظومة الطاقة العالمية المستقبلية. هذه الرؤية المتفائلة تمنح الجزائر أرضية اقتصادية صلبة للاستمرار في قيادة الطفرة الغازية الإقليمية من عام 2026 وحتى منتصف القرن، وتؤكد أن الاستثمار في البنية التحتية الطاقوية الوطنية هو الرهان الأربح لتأمين مستقبل الأجيال وضمان ريادة الاقتصاد الجزائري في أسواق الغد.