تتجه الأنظار نحو عاصمة الجنوب “أدرار” التي تستعد لاستقبال أضخم إنزال لوجستي وصناعي في تاريخ الفلاحة الإفريقية، مع اقتراب ساعة الصفر لبدء المرحلة التشغيلية الأولى لمركب “بلدنا” الجزائري-القطري العملاق.
المشروع الذي يمثل حجر الزاوية في استراتيجية الدولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من مسحوق الحليب، دخل رسمياً منعطفاً مستقبلياً متسارعاً عقب إبرام حزمة العقود الثانية والاتفاق على المخطط الجوي والهندسي الذي سينقل البلاد من التبعية للاستيراد إلى ريادة إنتاج “الذهب الأبيض” في المنطقة.
عقود الـ 635 مليون دولار.. ملامح القلعة الصناعية تحت مجهر الشركات العالمية
وتكشف المخططات التنفيذية المستقاة من أحدث تقارير المتابعة المشتركة بين وزارة الفلاحة والتنمية الريفية ومجموعة “استثمار القابضة” القطرية، عن ضخ حزمة استثمارية ضخمة تتجاوز قيمتها 635 مليون دولار تم توجيهها بالكامل لصالح شركات برتغالية، صينية، وجزائرية رائدة. هذه الميزانية الضخمة مخصصة لتمويل وبناء المنشآت الفنية الكبرى في قلب صحراء أدرار، وتتضمن تكنولوجيا متطورة لمواجهة المناخ الصحراوي؛ حيث تشمل العقود إنشاء محطات خرسانية عملاقة، وإقامات مجهزة بالكامل للعمال، فضلاً عن استقدام منظومات ري ومولدات طاقة ذكية صممت خصيصاً للحفاظ على برودة المزارع الدائرية وتحصين نمو الأعلاف الاستراتيجية في درجات الحرارة المرتفعة.
ويتزامن هذا التسارع المالي مع ترتيبات لوجستية غير مسبوقة لتأمين وصول المكون الحيوي للمشروع؛ حيث وضعت إدارة “بلدنا” بالتعاون مع مصالح الطيران المدني خطة لجسر جوي عملاق يتضمن 109 رحلات شحن جوي دولية متتالية مخصصة لنقل قطيع الأبقار الحلوب من السلالات العالمية الممتازة مباشرة نحو المزارع المطورة في الجنوب. وتستهدف هذه الهندسة اللوجستية تفادي إجهاد الأبقار أثناء عمليات النقل الطويلة والحفاظ على سلامتها الجسدية لضمان دخولها الفوري في دورة الإنتاج الفعلي، وهي خطوة تعكس الشق التكنولوجي المعقد الذي يقاد بأعلى معايير الإدارة الفلاحية الحديثة في العالم.
وفي سياق تسريع وتيرة الإنجاز الميداني، يقود وزير الفلاحة ياسين وليد تنسيقاً رفيع المستوى مع رئيس مجلس إدارة المجموعة القطرية معتز الخياط، لترتيب إنزال ميداني شامل وموسع إلى موقع المشروع بأدرار للوقوف على آخر اللمسات الهندسية. هذا التحرك الحكومي المستمر يعكس إرادة سياسية صارمة لضغط المخطط الزمني وضمان استكمال كافة البنى التحتية والمزارع النموذجية قبل نهاية المرحلة الأولى، مما يمهد الطريق لبدء العد التنازلي لتدفق أولى شحنات الحليب الطازج نحو مصانع التجفيف والتحويل.
خارطة الحليب الجديدة.. قراءة في مكاسب السيادة الغذائية للجزائر
سيحدث دخول مركب “بلدنا” خط الإنتاج الفعلي ثورة هيكلية في بنية التجارة الخارجية والموازنة العامة للبلاد؛ فالجزائر التي تستهلك ملايين الأطنان سنوياً من بودرة الحليب المستورد، تستهدف من خلال هذه القلعة الصناعية إنتاج قرابة 194 ألف طن من مسحوق الحليب سنوياً. هذا التحول سيمكن الخزينة العمومية من توفير مئات الملايين من العملة الصعبة التي كانت تستنزفها الفاتورة الاستيرادية، وتوجيه تلك الفوائض لتمويل مشاريع التنمية المحلية، مما يعزز الاستقلال المالي والسيادي للاقتصاد الوطني ويحمي السلم الاجتماعي من تقلبات بورصات الغذاء العالمية.
علاوة على ذلك، فإن البعد التنموي للمشروع سيعيد رسم الخريطة السوسيو-اقتصادية لمناطق الجنوب الكبير؛ حيث يضمن المشروع خلق أكثر من 5000 منصب شغل دائم ومباشر للشباب والكفاءات الجامعية والتقنية في مجالات البيطرة، الهندسة الزراعية، اللوجستيك، والصناعات الغذائية المتطورة. هذا القطب الفلاحي سيسهم في توطين المعرفة التكنولوجية الفلاحية في الصحراء، وتحويل أدرار والولايات المجاورة لها إلى مراكز جذب استثماري عالمية قادرة على استقطاب المزيد من المشاريع الخليجية والدولية العملاقة في قطاعات إنتاج الحبوب، اللحوم الحمراء، والزراعات الاستراتيجية.
ويثبت مشروع “بلدنا” أن رؤية الجزائر المستقبلية للأمن الغذائي لم تعد مجرد شعارات، بل تحولت إلى واقع ميداني مسنود بمليارات الدولارات وبأحدث التكنولوجيات العالمية. إن النجاح المرتقب لهذا التحالف الجزائري-القطري سيمهد الطريق لبناء مناعة ذاتية حقيقية للاقتصاد الوطني، لتؤكد البلاد مجدداً أن صحراءها الشاسعة هي خزّان الثروة البديل وعماد النهضة الصناعية والفلاحية التي ستؤمن قوت الأجيال الصاعدة وتصنع ريادة الجزائر الإقليمية في إفريقيا والمتوسط.



