الصين تسلّط سلاحها الجديد ضد الغرب بمشروع «Heze» العملاق

طاقة ومناجم

في الخطوط الأمامية لحرب التقنيات الاستراتيجية والسباق العالمي نحو إعادة هيكلة أسواق الطاقة، رفعت الصين الرهان مجدداً عبر تدشين واحدة من أكبر القواعد الصناعية المتخصصة في تكنولوجيا تخزين الطاقة على مستوى العالم.

ففي قلب المنطقة الصناعية “Luxi” بمدينة “Heze” التابعة لمقاطعة شاندونغ الشرقية، أعلنت شركة «Shandong HiTHIUM» عن الانطلاق الرسمي للعمليات التشغيلية والإنتاجية لمجمعها الجديد، المُخصص بالكامل لتطوير وتصنيع أنظمة تخزين الطاقة طويلة المدى (Long-Duration Energy Storage – LDES).

​تأتي هذه الخطوة لتكرّس التفوق الصيني في واحدة من أكثر حلقات سلاسل التوريد حرصاً وتعقيداً؛ حيث لم يعد الصراع الطاقوي بين بكين والعواصم الغربية مقتصراً على إنتاج الألواح الشمسية أو توربينات الرياح، بل انتقل بشكل مباشر إلى القدرة على التخزين والاستقرار الشبكي. وبغلاف استثماري ضخم تجاوز 13 مليار يوان صيني (ما يعادل نحو 1.7 مليار دولار أمريكي أو 1.4 مليار يورو)، تحول مجمع “Heze” الممتد على مساحة 80 هكتاراً إلى مشروع مرجعي حصل رسمياً على صفة مشروع استثماري خاص رئيسي ودعامة أصلية ضمن الخطة الإستراتيجية للطاقة في مقاطعة شاندونغ.

​تكامل رأسي مغلق.. الهندسة الصناعية التي تحبط الضغوط الغربية

​لا تكمن أهمية مجمع “Heze” في حجم الإنتاج المالي أو المساحة الجغرافية فحسب، بل في فلسفة “التكامل الرأسي الشامل” التي بنيت عليها القاعدة. في هذا الموقع الفريد، تحققت الدورة الصناعية المغلقة التي تحلم بها معظم الدول الغربية؛ إذ تُنفذ جميع المراحل بدءاً من معالجة المواد الخام والمكونات الأولية في المرحلة السابقة، وصولاً إلى تصنيع خلايا فوسفات حديد الليثيوم (LFP)، وتجميع الوحدات والأنظمة، وحتى الشحن المباشر في حاويات التخزين الجاهزة للتصدير والربط بالشبكات الكهربائية عالمياً.

​وقد أحدثت الشركة قفزة تكنولوجية في هندسة التصنيع عبر استخدام الخطوط الذكية من الجيل الخامس (5th Generation Automated Lines)، مما أثمر عن نتائج تشغيلية فارقة:

  • خفض المساحة والتكلفة: تقليص المساحة المستخدمة على الأرض بنسبة 50% لكل جيجاوات/ساعة مُنتجة مقارنة بالأجيال السابقة.
  • تقليل الاعتماد على العنصر البشري: خفض العمالة المباشرة في خطوط الإنتاج بنسبة 58%.
  • رفع كفاءة الطاقة: تقليل استهلاك الطاقة أثناء عمليات التصنيع بنسبة 13%.
  • مضاعفة الأداء: رفع الكفاءة الإنتاجية الإجمالية للمشروع بنسبة 200%، مع التحكم الآلي الآلي بنسبة تتجاوز 95%، وفحص الجودة عبر أكثر من 1000 نقطة مراقبة ذكية.

​هذا النموذج المتكامل يُحبط محاولات واشنطن وبروكسل لفرض قيود أو تعرفة جمركية على المكونات المنفصلة، كون بكين باتت تصدر الأنظمة كمنتج نهائي متكامل وجاهز للتشغيل الفوري بتكلفة لا تقبل المنافسة.

​معركة «LDES».. السيطرة على الحلقة المفقودة في التحول الطاقوي

​تُعرف تكنولوجيا تخزين الطاقة طويلة المدى (LDES) بأنها التحدي الهندسي الأكبر أمام الدول الراغبة في التخلي عن الوقود الأحفوري. فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح متذبذبتان بطبعهما (تنتجان الكهرباء عندما تشرق الشمس أو تهب الرياح، وليس بالضرورة عند ذروة الاستهلاك). وبدون أنظمة تخزين قادرة على التفريغ لفترات تتجاوز 4 ساعات وتستمر لأيام أو أسابيع، لا يمكن للشبكات الكهربائية التقليدية استيعاب أكثر من ثلث إنتاجها من المصادر المتجددة دون التعرض لانهيارات وتذبذبات حادة.

​في حين تُدار التذبذبات اليومية القصيرة عبر بطاريات الليثيوم العادية، فإن الوصول إلى نسب تفوق 60% إلى 100% من الطاقة المتجددة في المزيج الطاقوي العالمي (وهو الهدف المعلن لمعظم الاقتصاديات بحلول 2040-2050) يتطلب حتماً حلول LDES. وهنا تبرز السيطرة الصينية المطلقة؛ حيث تحكم الشركات الوطنية قبضتها على هذا القطاع بقيادة CATL (التي تستحوذ على نحو 37% من السوق العالمي لبطاريات الليثيوم) وشركة BYD التي افتتحت مصانع عملاقة بقدرات تصل إلى 60 جيجاوات/ساعة، إلى جانب EVE Energy وRept Battero وSunwoda.

​في المقابل، تحاول الشركات الغربية البحث عن ثغرات تكنولوجية للمنافسة؛ مثل شركة Form Energy الأمريكية التي تطور بطاريات “الحديد والبرازيل/الهواء” للعمل لـ 100 ساعة متواصلة بمصنعها في فيرجينيا الغربية، أو شركات أوروبية مثل Verkor وACC في فرنسا. غير أن هذه المحاولات تبقى محدودة الحجم والأثر أمام السرعة الكاسحة والقدرات الإنتاجية الضخمة التي فرضتها بكين عبر مصنع “Heze” والشركات التابعة لها.

​الموازنة بين الطموح الصناعي والتحديات المالية

​على الرغم من هذا الاستعراض القوي للقدرات التكنولوجية في شاندونغ، إلا أن المشهد لا يخلو من الظلال والتحديات المالية الشديدة التي تواجهها شركة Shandong HiTHIUM. فبالرغم من امتلاكها لقوة عاملة تتجاوز 7,650 موظفاً وجمعها لاستثمارات تجاوزت 910 ملايين دولار (770 مليون يورو)، إلا أنها تعرضت لانتكاسات متتالية في الأسواق المالية:

  1. فشل الطرح العام الأول (IPO): فشلت الشركة مرتين متتاليتين في إدراج أسهمها ببورصة هونغ كونغ (الأولى في مارس 2025 والثانية في أكتوبر 2025)، حيث تم سحب الملفين بعد ستة أشهر من التقديم جراء عدم استجابة المستثمرين بالشكل المطلوب.
  2. تجميد الحصص القضائية: أصدرت محكمة “Ningde” الصينية قراراً قضائياً في فيفري 2026 بتجميد جزء من أسهم المساهم الرئيسي للشركة (Xiamen Haichen Technology Development) حتى عام 2029.

​تُظهر هذه الضغوط أن الصعود الصيني الصاروخي في مجالات الطاقة النظيفة يتطلب ضخ أموال هائلة ومخاطرة عالية، وأن الحفاظ على هذه التوسعات يتطلب حسم الملفات المالية الهيكلية قبل حلول عام 2027؛ وهو التاريخ الذي حدده المراقبون لتقييم مدى نجاح خطط التوسع الدولي للشركة، خاصة في سوق الولايات المتحدة حيث استثمرت 200 مليون دولار لإنشاء مصنع بقدرة 10 جيجاوات/ساعة في ولاية تكساس.