بسبب الذكاء الاصطناعي.. الجزائر أمام “فرصة ذهبية” لمضاعفة مداخيل صادرات الغاز!

طاقة ومناجم

تواجه أسواق الطاقة العالمية تحولات هيكلية غير مألوفة ستعيد رسم موازين القوى بين كبار المنتجين خلال العقد المقبل، مدفوعة بالطفرة التكنولوجية وزيادة الاستهلاك الصناعي لعام 2026.

وفي هذا الصدد، كشف تقرير حديث الصدور عن شركة أبحاث الطاقة العالمية “وود ماكنزي”، عن نهاية عصر الأسعار المنخفضة للغاز الطبيعي في مركز “هنري” القياسي بالولايات المتحدة الأميركية.

هذا الارتفاع المتوقع في تكاليف الغاز الأميركي حتى عام 2035 يفتح “نافذة فرص استراتيجية” كبرى أمام الجزائر، لتعزيز مكانتها كالمورد الطاقوي الأكثر تنافسية وموثوقية للقارة الأوروبية.

ثورة مراكز البيانات تشعل الغاز الأميركي وتراجع تنافسية الـ LNG في أوروبا

أكدت التوقعات الاقتصادية لشركة “وود ماكنزي” أن الطلب المتزايد على الكهرباء لتغذية مراكز البيانات ذات الاستهلاك الكثيف والطاقة الحوسبية للذكاء الاصطناعي، سيتسبب في زيادة متسارعة بقطاع الكهرباء الأميركي بنسبة تصل إلى 50% بحلول عام 2035، ما يعادل زيادة بـ 17 مليار قدم مكعبة يوميا. وتتكامل هذه الطفرة المحلية مع التوسع في تصدير الغاز المسال الأميركي، مما يسحب كميات ضخمة من السوق ويدفع بالأسعار نحو الارتفاع لتصل إلى 5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية بحلول عام 2035. هذا الصعود التضخمي ينهي زمن الطاقة الرخيصة في أميركا ويفرض نمطا جديدا في سوق الطاقة العالمية يسيطر فيه “الطلب” على آلية تحديد الأسعار.

هذه التحديات الهيكلية في السوق الأميركية، المضاف إليها تحديات نضج الحقول وتراجع حصة الغاز المصاحب الرخيص إلى أقل من 20% بحلول 2035، ستؤدي حتماً إلى ارتفاع “تكاليف التعادل” وزيادة تقلبات أسعار الغاز الأميركي المسال (LNG) المصدر نحو الخارج. ومن الناحية التجارية، فإن هذا التغير يصب مباشرة في مصلحة الجزائر؛ إذ إن ارتفاع كلفة تسييل وشحن الغاز الأميركي عبر المحيطات سيجعل الغاز الطبيعي الجزائري المنقول عبر خطوط الأنابيب الثابتة والمباشرة (مثل “ترانسميد” و”ميدغاز”) الخيار المالي الأقل كلفة والأكثر استقراراً للمصانع والشبكات الأوروبية التي تبحث عن أمن الإمدادات بعيداً عن تقلبات الأسعار الأميركية.

وتستعد المجمعات الطاقوية في أوروبا لإعادة تخطيط موازناتها لعام 2026 وفق هذه المعطيات التنافسية الجديدة؛ حيث يمنح الارتفاع المتوقع في مركز “هنري” قوة تفاوضية هائلة لشركة “سوناطراك” الجزائرية عند مراجعة وتجديد العقود طويلة الأجل مع شركائها الإيطاليين والإسبان والفرنسيين. فالجزائر، بفضل قربها الجغرافي وبنيتها التحتية الصلبة، قادرة على تقديم غاز طبيعي بأسعار تنافسية ومستقرة مقارنة بالشحنات الأميركية التقليدية، مما يسهم في حماية الميزان الطاقوي الأوروبي من الصدمات التضخمية التكنولوجية الناشئة في واشنطن.

استراتيجية “سوناطراك” لزيادة الإنتاج واقتناص الحصص السوقية لعام 2026

تتزامن هذه التحولات العالمية لعام 2026 مع طفرة استثمارية وميدانية تقودها الشركة الوطنية “سوناطراك” لتكثيف عمليات الاستكشاف وتطوير الحقول الغازية الجديدة في حوض بركين وأدرار وإن صالح. وتسعى الجزائر عبر شراكاتها الاستراتيجية مع عملاقة الطاقة (مثل إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية وإكسون موبيل الأميركية) إلى رفع قدراتها الإنتاجية والتصديرية لتجاوز عتبة 110 مليار متر مكعب سنوياً، بهدف اقتناص أي عجز أو تراجع في تنافسية الإمدادات القادمة من وراء البحار وتلبية الطلب الأوروبي المتنامي.

ويمثل تفوق الغاز الجزائري القائم على عقود الأنابيب ميزة جيوسياسية كبرى؛ كونها تؤمن تدفقات مستمرة ومحمية من تقلبات الطقس والاضطرابات اللوجستية التي تعاني منها محطات التسييل الأميركية كمحطة “غولدن باس”. وإن تراجع إنتاجية الحقول الأميركية في أحواض “مارسيلاس” و”برميان” وتعقدها الجيولوجي، يعزز من الموثوقية الطاقوية طويلة الأمد التي تطرحها الجزائر كشريك استراتيجي مستدام يمتلك احتياطيات ضخمة ومؤكدة وقادرة على موازنة الطاقات المتجددة المتقطعة في القارة العجوز.

وتؤكد معطيات سوق الطاقة لعام 2026 أن قفزة الأسعار في أميركا ستنعكس إيجاباً على زيادة المداخيل السيادية للجزائر؛ نظراً لأن أسعار الغاز الجزائري في العقود مرتبطة تاريخياً بأسعار النفط وبورصات الغاز العالمية. هذا الانتعاش المالي المتوقع سيوفر للخزينة العمومية سيولة نقدية ضخمة تدعم مخططات الدولة التنموية، وتتيح لـ “سوناطراك” ضخ استثمارات إضافية لتحديث شبكات النقل الوطنية وتطوير صناعات بتروكيماوية ذات قيمة مضافة عالية خارج قطاع التصدير الخام.

الأبعاد الجيوسياسية للغاز الجزائري كصمام أمان لأوروبا حتى 2035

تثبت القراءة التحليلية للمشهد الطاقوي حتى عام 2035 أن طفرة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات أعادت تشكيل جغرافية الطاقة العالمية بشكل غير متوقع. فالولايات المتحدة، التي روجت لنفسها كمنقذ طاقوي لأوروبا عبر الغاز المسال، باتت مجبرة على إعطاء الأولوية لاستهلاكها الداخلي المتنامي لتغذية خوادم التكنولوجيا العملاقة. هذا التحول الهيكلي يرسخ مكانة الجزائر كصمام أمان جيوسياسي واقتصادي وحيد وموثوق لا غنى عنه للجوار الأوروبي لضمان استمرارية نشاطه الصناعي والتجاري.

من الناحية الجيوسياسية، تعزز هذه المعطيات من الوزن الدبلوماسي للجزائر في حوض البحر الأبيض المتوسط كقوة طاقوية إقليمية قائمة بذاتها، وتدفع العواصم الأوروبية لتقديم مزيد من التسهيلات والاتفاقيات الاقتصادية لضمان تدفق الغاز نحو شمال القارة. وتستغل الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية لعام 2026 هذا التموقع لربط ملف الطاقة بملفات نقل التكنولوجيا، التوطين الصناعي، وإقامة مشاريع الهيدروجين الأخضر المستقبلية (مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين SoutH2_Corridor) لضمان انتقال طاقوي متوازن وشراكة رابح-رابح.

وتبرهن توقعات “وود ماكنزي” لعام 2035 أن زمن الغاز الرخيص قد ولى في أميركا، لتفتح صفحة جديدة تكون السيادة فيها للمنتجين القريبين والتقليديين. وإن الاستعداد المبكر للجزائر عبر تحديث ترسانتها القانونية وتحفيز المقاولات الطاقوية يضع البلاد في موقع قيادي متقدم. ليكون الغاز الجزائري المستفيد الأكبر من ثورة الذكاء الاصطناعي العالمية، مسجلاً فصلاً جديداً من الريادة الاقتصادية التي تخدم رفاهية الأجيال القادمة وتدعم أسس السيادة الوطنية.