أبرز رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال إشرافه على أشغال اللقاء الوطني مع المتعاملين الاقتصاديين، المؤشرات الإيجابية والتحولات الهيكلية التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني، مؤكداً أنه تعافى بشكل ملموس خلال السنوات الأخيرة بعدما كان يعتمد كلياً على مداخيل النفط ورهينة سياسة استيراد فوضوية.
وأوضح رئيس الجمهورية أن الاقتصاد الجزائري كان قبل سنة 2019 يمر بمرحلة تخلف تنظيمية، حيث غاب التكادمي والتكامل بين القطاعات، وانعدمت الصناعات التحويلية الحقيقية مع توجيه كافة الجهود نحو الاستيراد المكثف.
غير أن الوضع اليوم -حسب تعبيره- شهد فارقاً كبيراً وشاسعاً، أهّل الجزائر لتحتل المرتبة الثالثة إفريقياً كأكبر اقتصاد في القارة، مع مواصلة الجهود الثابتة للقضاء على النقائص ومراجعة الواردات بطريقة مهيكلة ومستدامة.
وأوضح رئيس الجمهورية أن البلاد تخوض حالياً مرحلة تحول كلي وحاسم من اقتصاد مسير بأساليب إدارية إلى اقتصاد حر يقوم على المبادرة والشفافية.
وأشار إلى أن عديد الدول واجهت صعوبات واختلالات اقتصادية حادة عند انتقالها نحو الاقتصاد الحر، إلا أن الجزائر تنتهج مساراً مرناً يضمن المرور بسلاسة ودون أي هزات تمس بالاستقرار الاجتماعي والمالي للبلاد، وهي معادلة صعبة حرصت الدولة على تحقيقها بتوازن دقيق.
وشدد الرئيس على أهمية ضبط الأرقام بدقة للاعتماد الذاتي المباشر، ملتزماً بالتوازي بعدم التخلي عن الدور الاجتماعي والتضامني للدولة، ومؤكداً أن الجزائر لا تخضع كلياً لقانون العرض والطلب في القطاعات ذات الأثر الاجتماعي المباشر على حياة المواطنين، حيث يستوجب التدخل الحكومي الدائم لحماية القدرة الشرائية للطبقات الهشة والوسطى.
وفند رئيس الجمهورية في كلمته لغة التشكيك، مستعرضاً الأرقام والمؤشرات الحقيقية التي تؤكد نجاعة النهج الاقتصادي المتبع، حيث كشف أن الفاتورة الإجمالية للاستيراد تقلصت بما يقارب 40 إلى 42 مليار دولار، مما يعكس الشوط الكبير الذي قطعته الإنتاجية الوطنية.
وأكد الرئيس أن الدولة لا تهدف إلى حرمان المتعاملين أو المواطنين من الاستيراد، بل تسعى إلى ضبط العملية واقتصارها على المواد المكملة والمستلزمات الضرورية فقط.
وأشار في هذا السياق إلى الاستغناء الكلي عن استيراد مواد البنزين والكيروزان (وقود الطائرات)، مع التحضير للتوقف النهائي عن استيراد مادة المازوت بمجرد دخول مصفاة حاسي مسعود الجديدة مرحلة الإنتاج الفعلي.
وفي القطاع الصيدلاني، بلغت نسبة تغطية احتياجات السوق الوطنية من الأدوية 84%، شملت حتى الأدوية المعقدة الخاصة بالأمراض المزمنة لاسيما مرضى السكري والسرطان.
وفيما يتعلق بالقطاعين الصناعي والفلاحي، أبرز رئيس الجمهورية الارتفاع الملموس في مساهمة القطاع الصناعي ضمن الناتج الداخلي الخام لتصل إلى 10%، مسلطاً الضوء على الوتيرة الأسبوعية الدورية لإعادة تشغيل وتدشين المصانع والوحدات الإنتاجية.
وعلى صعيد الفلاحة، بلغت مساهمة القطاع 15% في الناتج الداخلي الخام، مع إطلاق استثمارات استراتيجية كبرى لإنتاج الزيت والسكر، واستهداف تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في شعبة الحبوب بنهاية عام 2027.
وأضاف الرئيس أن هذه الأرقام تعكس التحول العملي نحو بناء اقتصاد متعدد الموارد والحد من التبعية للمحروقات.
وعلى صعيد ملف صناعة السيارات والميكانيك، كشف رئيس الجمهورية عن استراتيجية واعدة قائمة على الشراكات المباشرة والجدية مع كبريات الشركات الألمانية والإيطالية، مؤكداً أن هدف الجزائر يكمن في الوصول إلى إنتاج سيارة جزائرية بنسبة 100% مع نهاية عام 2028.
وأوضح الرئيس أن هذا التحدي لن يقتصر على تجميع أجزاء السيارات أو “نفخ العجلات”، بل سيعتمد على توطين صناعة المكونات الأساسية وفي مقدمتها علب السرعة والعجلات المطاطية بسواعد وكفاءات وطنية، وهو رهان استراتيجي تعمل الدولة على كسبه لإنشاء صناعة ميكانيكية متكاملة وتنافسية.
كما عرّج رئيس الجمهورية على المنظومة القانونية والتنظيمية الجديدة للاستثمار، منوهاً بالخطوات الجبارة التي أثمرت تسجيل أكثر من 13 ألف مشروع استثماري حقيقي وميداني عبر مختلف ولايات الوطن.
واستعرض الرئيس التجربة الرائدة للشباك الوحيد الوطني للاستثمار كصرح إداري مستقل ومتمتع بكافة الصلاحيات والقرارات اللازمة لاستقطاب وجذب المشاريع الاستثمارية الوطنية والأجنبية، مبرزاً أن هذا النظام السلس سيبدأ تطبيقه الفعلي والميداني الشامل بداية من الأول من يناير القادم مع دخول قانون المالية لسنة 2027 حيز التنفيذ.
ودعا الرئيس كافة المتعاملين الاقتصاديين إلى التجند الجماعي والعمل المشترك لرفع حجم الصادرات خارج المحروقات، مشدداً على أن الدولة شريك حقيقي يوفر كافة التسهيلات للمستثمر الذي يساهم بدوره في بناء الاقتصاد الوطني.
وفي ختام كلمته، تطرق رئيس الجمهورية إلى ظاهرة التذبذب الفجائي في أسعار بعض المواد الاستهلاكية الأساسية لاسيما الخضر والفواكه، داعياً إلى نبذ الجشع والممارسات المضاربية والمراعاة الفائقة للطبقة الوسطى والفئات الهشة.
وأمر بالإسراع في تأسيس هيئة اقتصادية وطنية مختصة لضبط التموين وضمان توازن السوق عن طريق تخزين الفائض وشراء المحاصيل مباشرة من الفلاحين والمنتجين.
وخلص الرئيس إلى الترديد بأن مستقبل الجزائر يبنى بأيدي أبنائها، داعياً وزير المالية إلى التواصل الرسمي مع المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمراجعة وتكييف المعطيات والأرقام الاقتصادية الوطنية لتطابق الواقع الملموس والمؤشرات الميدانية الموثوقة.



