​”معجزة” في رمال المنصورة.. كيف حولت “سيفيتال” صحراء غرداية إلى “منجم ذهب” أبيض بـ 600 مليون دولار؟

فلاحة

بعيدا عن صخب المصانع الكبرى في الشمال، وتحديدا على بعد 160 كيلومترا من عمق صحراء غرداية، يُكتب اليوم فصل جديد من تاريخ “السيادة الجزائرية”. لم يعد الأمر يتعلق بمجرد مصنع للسكر، بل بـ “تحدٍ جيولوجي” هائل كسر كل القواعد التقليدية؛ حيث نجح مجمع “سيفيتال” في ترويض بيئة “المنصورة” القاسية، محولا إياها إلى قطب عالمي لإنتاج الشمندر السكري بنسب استخلاص “خيالية” حيرت الخبراء، في مشروع ضخم رصد له غلاف مالي قدره 600 مليون دولار ليغير وجه الاقتصاد الوطني إلى الأبد.

​التحدي الأكبر الذي واجه مشروع “سيفيتال” في صحراء المنصورة لم يكن التمويل، بل “المياه”. ففي منطقة تُعرف ببيئتها الجافة، استطاع المجمع تنفيذ عمليات نقب معقدة وصلت إلى عمق 385 متراً تحت سطح الرمال، للوصول إلى طبقات مائية قادرة على سقي 1200 هكتار من الأراضي البكر. هذا الإنجاز الهندسي لم يضمن فقط تموين المحاصيل، بل أسس لبنية تحتية متكاملة شملت بناء مجمعات سكنية ومرافق لوجستية في “قلب العدم”، مما يثبت أن الاستثمار في الجنوب لم يعد مغامرة، بل هو صناعة دقيقة تتطلب نفسا طويلا وتقنيات متطورة.

​والنتائج لم تتأخر؛ حيث سجلت التحاليل المخبرية نسبة استخلاص سكر تتراوح بين 18% و20%، وهي أرقام تضع “سكر غرداية” في صدارة الإنتاج العالمي. إن نجاح الشمندر السكري في التأقلم مع مناخ الجنوب يفتح الباب أمام تحويل الجزائر من بلد “مستهلك” يعتمد على تقلبات الأسواق الدولية، إلى بلد “متحكم” في غذائه، خاصة مع اقتراب موعد تشغيل المصفاة ووحدة التحويل الكبرى في 2028، والتي ستكون “القلب النابض” الذي يضخ السكر الجزائري 100% في عروق التجارة القارية.

​من “اللب” إلى “الملاس”.. اقتصاد “تصفير النفايات” في غرداية

​الزاوية الأكثر إثارة في هذا المشروع العملاق هي “الاستغلال الشامل” لكل ذرة من الإنتاج، وهو ما يرفع من مردوديته الاقتصادية بشكل مذهل. “سيفيتال” لم تكتفِ بإنتاج السكر، بل صممت المشروع ليكون “دورة اقتصادية مغلقة”؛ حيث سيتم تحويل فضلات الشمندر من “لب” و”ملاس” إلى أعلاف مركزة عالية الجودة. هذا التوجه سيخلق ثورة موازية لمربي المواشي في ولاية غرداية والولايات المجاورة، حيث سيوفر لهم بدائل علفية محلية الصنع تنهي تبعيتهم للأعلاف المستوردة الغالية الثمن، محققاً بذلك تكاملاً بين الصناعة الغذائية والإنتاج الحيواني.

🔴 إقرأ أيضا: ​وداعا للعملات الأجنبية؟.. الجزائر تفتح أبواب “التجارة الحرة” لأفريقيا وتكشف عن نظام دفع ثوري للمستثمرين!

​هذا “التكامل الذكي” هو ما يضمن استدامة المشروع ويوفر أكثر من 5000 منصب شغل لأبناء المنطقة، ليس فقط كعمال زراعيين، بل كمهندسين وتقنيين في تخصصات “الكيمياء الصناعية” و”إدارة الموارد المائية”. إن تحويل “النفايات الصناعية” إلى ثروة حيوانية يعكس رؤية سيفيتال الحديثة التي تتماشى مع معايير الاقتصاد الأخضر، وهو ما يجعل من مشروع المنصورة نموذجا يُحتذى به في التنمية المستدامة التي تنطلق من باطن الصحراء لتغذي كل أرجاء الوطن.

2028.. الموعد الذي سيشطب كلمة “استيراد” من قاموس السكر

​بحلول عام 2028، تستعد الجزائر لوداع فاتورة استيراد السكر التي استنزفت الخزينة العمومية لسنوات طويلة. مشروع مجمع “سيفيتال” بغلافه المالي الذي يناهز 800 مليار سنتيم بالعملة الوطنية، يمثل “حائط الصد” الأول ضد تقلبات البورصات العالمية. إن امتلاك مصفاة سكر متصلة مباشرة بمساحات زراعية شاسعة في الجنوب، يعني السيطرة الكاملة على “سلسلة القيمة”، من البذرة إلى الكيس الجاهز للاستهلاك.

🔴 إقرأ أيضا: رسميا.. الجزائر تودع حقبة “نفخ العجلات”: فولاذ “توسيالي” ينهي تبعية الاستيراد وهذا ما سيحدث في سبتمبر!

​إن “الذهب الأبيض” الذي ينمو اليوم تحت شمس غرداية الحارقة هو الرسالة الأقوى بأن الجزائر الجديدة لا تؤمن بالمستحيل. ومع تسارع وتيرة الإنجاز، يتوقع المتابعون أن تتحول منطقة المنصورة إلى “وادي سيليكون” زراعي يجذب استثمارات عالمية أخرى، مستفيدة من البنية التحتية التي وضعها مجمع سيفيتال. التاريخ سيسجل أن عام 2024 كان بداية النهاية للتبعية الغذائية، وأن رمال غرداية كانت هي الحل الذي طال انتظاره لتحقيق السيادة الاقتصادية الكاملة.