هل يمكن لشبكة اتصال أن تُطفئ حريق غابة؟ الجزائر بين عيون الذكاء الاصطناعي ورهان الجيل الخامس

المجهر

تخيل معي هذا السيناريو: صيف 2026؛ النيران تلتهم غابات الشرق الجزائري، والدخان يحجب الظهيرة ليحولها إلى غسق داكن. على ارتفاع حوالي 100 متر، تحلق طائرة مسيّرة طورتها مؤسسات ناشئة جزائرية، ترصد بدقة متناهية بؤرة لهيب جديدة عبر كاميراتها الحرارية، ليطلق الذكاء الاصطناعي المثبت على متنها تنبيها فوريا بارتفاع درجة الخطر. لكن، هنا تحديدا ينقطع حبل النجاة؛ فالبيانات الحيوية والإحداثيات المليمترية تجد نفسها محبوسة داخل أنبوب نقل ضيق يدعى شبكة الجيل الرابع (4G)، التي قد تتأثر تغطيتها في هذه التضاريس الوعرة. وفي لغة الحرائق، قد تكون الدقيقة الفارق بين إخماد شرارة واحتراق هكتار كامل؛ مفارقة تضعنا أمام سؤال جوهري: الجزائر تمتلك اليوم “العيون الرقمية”، لكن هل تملك “الجهاز العصبي” القادر على نقل ما تراه هذه العيون إلى الميدان في الوقت المناسب؟ وهل يمكن للجيل الخامس (5G) أن يكون جزءا من هذا الجهاز؟

ينبثق من هذا المشهد اللاهب سؤال جوهري يتجاوز جغرافيا الرماد، ليفكك فلسفة التعامل الوطني مع واحدة من أبرز الأخطار المناخية والكوارث التي تواجه البلاد سنويا. فالجزائر، التي تحوز غطاء غابيا ونباتيا يمتد على مساحة شاسعة تقدر بـ4.1 مليون هكتار، تجد نفسها مع حلول كل فصل صيف في مواجهة اختبار يمس عمق أمنها التنموي والبيئي. وتلك المساحات الشجرية والنباتية الممتدة خصوصا في الشريط الشمالي، تحولت إلى جبهة مواجهة مفتوحة أمام مخاطر الحرائق، التي تتداخل في تفاقمها عوامل مناخية وبشرية وطبيعية.

لقد غدت معارك إخماد الحرائق الشرسة وسط التضاريس الوعرة معضلة بنيوية تهدد مقومات الأمن التنموي والاستقرار الاجتماعي للمناطق الريفية والجبلية. كما أن تكرار هذه الكوارث يفرض على الدولة تحديا يتجاوز لحظة إخماد النيران إلى حماية السكان والمنشآت والبنى التحتية والموارد الطبيعية، وضمان قدرة المناطق المتضررة على التعافي واستعادة نشاطها.

هذا التحدي المتكرر يحمل في طياته كلفة تراكمية باهظة تتجاوز حسابات التعويضات المالية للفلاحين المتضررين أو ميزانيات إعادة التشجير إلى الكلفة اللوجستية الضخمة لتسيير الأزمات الميدانية واقتناء وتجهيز وسائل الإطفاء الجوي والبري، فضلا عن إعادة تأهيل البنى التحتية والمناطق المتضررة. وهي استثمارات تتطلب سنوات من التخطيط والإنفاق، بينما قد تتسبب النيران في إتلاف جزء منها خلال فترة وجيزة.

كما أنه يدفع نحو تعزيز الانتقال من منطق “رد الفعل” إلى الوقاية والاستباق والإنذار المبكر، وهو توجه ينسجم مع الإطار التشريعي الجزائري الحديث للوقاية من مخاطر الكوارث والتدخل والحد منها في إطار التنمية المستدامة. ويشمل القانون رقم 24-04، الصادر في فبراير 2024، مخاطر حرائق الغابات ضمن المخاطر التي تتطلب الوقاية والتدخل وتعزيز القدرة على الصمود.

وهنا تبرز محدودية الوسائل التقليدية عندما تُستخدم وحدها؛ فالاعتماد على الدوريات البشرية أو نقاط المراقبة البصرية الثابتة فوق المرتفعات لا يكفي بالضرورة لمواجهة سيناريوهات حرائق تتسع بسرعة في تضاريس وعرة، خصوصا عندما تتزامن درجات الحرارة المرتفعة والرياح الجافة مع صعوبة الوصول إلى بؤر الاشتعال.

هذا التشخيص الميداني الصارم يؤصل له الأستاذ يوسف شنوفي، مدير مكتب دراسات الوقاية وتسيير المخاطر الكبرى وحماية البيئة، الذي يرى في حديثه مع “سهم ميديا” أن ملف حرائق الغابات قد استقر في عمق الإستراتيجية السيادية للدولة، معلقا بالقول: “إن هذا الملف، بعد تتبع ما ينجر عنه من دمار، أضحى رسميا في خانة الأمن القومي لأنه يهدد بشكل مباشر الشعوب والاقتصاد الوطني ونمط المعيشة ككل”.

ويستطرد الأستاذ شنوفي مفككا الآثار المباشرة وغير المباشرة لهذه الكوارث: “التأثيرات هنا أضرار مباشرة وجسيمة تتراوح بين الوفيات البشرية وتحطيم النظم الإيكولوجية المساهمة في الاقتصاد. وتتمدد هذه الآثار على المدى الطويل لتطال التواجد البشري في المنطقة المتضررة نفسها، فضلا عن القضاء الفوري على المنشآت والبنى التحتية الحيوية التي تمثل استثمارات باهظة للدولة”.

ومن هذا المنطلق، يفكك الأستاذ يوسف شنوفي فلسفة المعادلة الزمنية الحاكمة لمكافحة الكوارث: “تجنب الكوارث الكبرى هو عملية قَبْلية واستباقية بنسبة كبيرة، بينما ردة الفعل والتدخل اللاحق ما هو إلا فعل وجوبي لتقليل الأضرار، لأن ما حصل من خسائر قد تحقق بالفعل. لذلك جاء التوجه التشريعي الجزائري الحديث عبر القانون 24-04 القائم على ضخ الاستثمارات في العمل القبلي والتخطيط الرقمي”.

ويختم شنوفي بالإشارة إلى الترسانة المعتمدة في هذا التحول: “إن مواكبة مخاطر الوقت الحالي تفرض الاعتماد الصارم على الوسائل الرقمية والتكنولوجية الحديثة من أقمار صناعية للمراقبة الجوية، ودرونات للتمشيط وللمراقبة، وكاميرات حرارية لبناء منظومة وقاية متكاملة من خطر الحرائق”.

العيون الرقمية: تشريح المنظومة التكنولوجية الحالية في غابات الجزائر

العيون الرقمية لمراقبة حرائق الغابات في الجزائر باستخدام الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية وأبراج المراقبة (صورة توضيحية بالذكاء الاصطناعي)

بناء على تلك الحتمية السيادية، خطت الجزائر خطوات ملموسة نحو رقمنة منظومة الوقاية من حرائق الغابات ومراقبتها، مجهزة الميدان بـ”عيون رقمية” تتوزع بين الجو والأرض والفضاء لرصد بؤر اللهب ومتابعة تطور المخاطر.

ويتصدر هذا المشهد حاليا أسطول يضم 35 طائرة مسيّرة مخصصة للمراقبة والاستطلاع الجوي، ضمن منظومة المراقبة والإنذار المبكر التي تعتمدها المديرية العامة للغابات. وقد أكدت المعطيات المعلنة رسميا أن هذه الطائرات تؤدي دورا في مراقبة المناطق الغابية الأكثر عرضة للحرائق، بالتنسيق مع فرق التدخل الميداني.

وتتجه المنظومة إلى تعزيز هذا الأسطول مستقبلا، مع برمجة اقتناء 80 طائرة مسيّرة إضافية، في مسعى لتوسيع التغطية الجوية ورفع قدرة المراقبة والاستباق، خصوصا خلال موسم الحرائق.

وتتضمن المسيّرات المستخدمة تجهيزات مخصصة للرصد، من بينها كاميرات حرارية ومستشعرات بصرية عالية الدقة، إلى جانب تجهيزات قادرة على جمع معطيات مرتبطة بجودة الهواء والغازات وسرعة الرياح واتجاهها. وتسمح هذه القدرات بتحويل الطائرة من مجرد وسيلة طيران إلى منصة استشعار متنقلة، قادرة على جمع مؤشرات ميدانية تساعد في اكتشاف بؤر الخطر ومتابعة تطورها.

وعلى المستوى الأرضي، تكتمل شبكة المراقبة من خلال 510 أبراج مراقبة موزعة عبر المناطق الغابية، بما يوفر نقاطا ثابتة للرصد والإنذار، ويشكل طبقة أخرى ضمن منظومة المراقبة المبكرة للحرائق.

ولا تتوقف “العيون الرقمية” عند المجال الجوي والأرضي، بل تمتد إلى الفضاء عبر وكالة الفضاء الجزائرية (ASAL)، التي تستغل صور الأقمار الصناعية في متابعة الغطاء النباتي وتحليل حالته، باستخدام مؤشرات طيفية من بينها مؤشر الفارق الخضري القياسي (NDVI)، الذي يساعد على تقييم حالة الغطاء النباتي ومستويات الإجهاد والجفاف.

وتكشف التطبيقات البحثية المرتبطة بالمؤسسات والباحثين الجزائريين عن توظيف صور القمر الصناعي الأوروبي «سنتينال-2» في تحليل الغطاء النباتي ومراقبة حرائق الغابات. وقد ظهر ذلك ميدانيا خلال حرائق صيف 2026، حين أظهرت صور Sentinel-2 أعمدة الدخان وانتشارها فوق مناطق من شرق الجزائر، مؤكدة أن الرصد الفضائي يستفيد، إلى جانب المصادر الوطنية، من بيانات فضائية دولية متاحة.

وهكذا تبدو المنظومة الجزائرية أقرب إلى شبكة متعددة الطبقات؛ لكن امتلاك هذه “العيون” لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة رقمية متكاملة قادرة على نقل كل ما ترصده، بالسرعة نفسها، إلى مراكز القرار والتدخل. فالمسيّرة لا تكتفي بالتقاط الصورة؛ إنها تنتج بيانات تحتاج إلى نقل ومعالجة وربط بمراكز العمليات، فيما تحتاج شبكات المستشعرات المستقبلية إلى اتصالات مستقرة وآمنة وقادرة على العمل في بيئات جبلية وغابية معقدة.

وهنا تحديدا تبدأ المسافة بين امتلاك أدوات الرصد وامتلاك منظومة استجابة رقمية متصلة في الزمن الحقيقي؛ وهي المسافة التي تفتح السؤال التالي في هذا التحقيق: إذا كانت الجزائر قد بدأت في بناء “العيون الرقمية”، فهل تستطيع شبكات الاتصال الحالية أن تحمل الكم المتزايد من البيانات التي تنتجها هذه العيون، خصوصا في المناطق الغابية والجبلية التي تشكل خط المواجهة الأول مع الحرائق؟

أنبوب نقل ضيق: أين تنتهي قدرة الـ4G وتبدأ الفجوة التقنية؟

قدرة شبكة 4G على نقل الصور والبيانات من المناطق الغابية والجبلية في الزمن المطلوب (صورة توضيحية بالذكاء الاصطناعي)

هذا السؤال ليس مجرد فرضية نظرية فقط، بل واقع يؤكده الأستاذ حسان درار، الأستاذ المحاضر بالمدرسة الوطنية العليا للتسيير والأمين العام السابق بوزارة الرقمنة والإحصاء في تصريحه لـ “سهم ميديا” بأن المناطق الغابية والجبلية والريفية، بما فيها عدد من المناطق التي شهدت حرائق صيف 2026، ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الجيل الرابع وعلى الاتصال عبر خط الرؤية المباشر أو عبر وصلات راديوية مخصصة، مع وجود مناطق ذات إشارة ضعيفة. ورغم ذلك، يرى أن الشبكات الحالية قادرة على توفير الاتصالات الأساسية وبعض خدمات نقل البيانات، لكنها لا تضمن في جميع المناطق الغابية تنسيقا حرجا وفوريا يعتمد على كميات كبيرة من البيانات.

وتكشف المواصفات التقنية العالمية لشبكات الجيل الرابع (وفق معايير 3GPP وITU-R) عن هذه الفجوة بوضوح أكبر. فبينما يصل الحد النظري الأقصى لسرعة تنزيل البيانات في تقنية “LTE-Advanced” إلى نحو 1 جيجابت في الثانية في الظروف المثالية — أي عبر نطاق ترددي مجمّع واسع وتغطية شبكية مثلى — فإن السرعات المتحققة فعليا في الاستخدام الميداني، وفق الفئات الأكثر انتشارا من الأجهزة، غالبا ما تقتصر على عشرات الميجابت في الثانية فقط، خاصة في المناطق البعيدة عن كثافة الأبراج الحضرية. وهذا الفارق بين “السقف النظري للمعيار” و”الأداء الفعلي الميداني” هو بالضبط ما يجعل شبكة تعمل جيدا في المدينة تتعثر أحيانا في نقل فيديو حراري متواصل من عمق غابة جبلية.

وينسحب الأمر ذاته على زمن الاستجابة وكثافة الأجهزة المتصلة. فبالنسبة إلى LTE-Advanced، يستهدف المعيار زمن انتقال من وضع الخمول إلى الاتصال النشط يقل عن 50 ميلي ثانية ضمن متطلبات محددة لطبقة التحكم. أما تقنيات إنترنت الأشياء الخلوية مثل NB-IoT وLTE-M، فقد صُممت لربط أعداد كبيرة من الأجهزة منخفضة الاستهلاك ضمن شبكات واسعة التغطية، مع اختلاف قدرات الكثافة الفعلية بحسب تصميم الشبكة والطيف وظروف التشغيل. وهذه الأرقام والقدرات المعيارية لا تعني أداء موحدا في كل بيئة تشغيل، إذ تتأثر التجربة الفعلية بالتغطية وحجم الخلية وحمولة الشبكة وطبيعة الموقع — وهي عوامل تصبح أكثر تحديا في التضاريس الوعرة والمناطق الغابية البعيدة عن البنية التحتية.

المعضلة الحقيقية اذن تظهر عندما نتصور منظومة متكاملة تتجاوز عشرات الأجهزة إلى شبكة واسعة من المستشعرات، تتكامل مع المسيّرات وأبراج المراقبة ومراكز العمليات، وتحتاج إلى تبادل البيانات بصورة متزامنة وموثوقة. وبما أن الجيل الرابع، كما يوضح درار، لا يضمن هذا التنسيق الحرج إلا جزئيا، يفرض السؤال نفسه بوضوح: هل يملك الجيل الخامس ما يسد هذه الفجوة فعلا؟

الجهاز العصبي الموعود: ما الذي يعد به الجيل الخامس نظريا؟

الجيل الخامس كجهاز عصبي رقمي لربط منظومة مراقبة حرائق الغابات في الجزائر (صورة توضيحية بالذكاء الاصطناعي)

أمام حدود الجيل الرابع، يبرز الجيل الخامس كقفزة تقنية لا تقوم فقط على زيادة سرعة الاتصال، بل على رفع قدرة الشبكة على التعامل مع كميات أكبر من البيانات في وقت واحد. وفي سيناريو مراقبة حرائق الغابات، تصبح هذه القدرة مهمة عندما تتدفق البيانات من مصادر متعددة، مثل المسيّرات والكاميرات والمستشعرات، نحو منصات التحليل ومراكز العمليات.

وفق متطلبات الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) لشبكات IMT-2020، يصل معدل البيانات النظري الأقصى المستهدف للوصلة الهابطة في 5G إلى 20 جيجابت في الثانية، مقابل 10 جيجابت في الثانية للوصلة الصاعدة، وذلك في ظروف مثالية وضمن متطلبات تقنية محددة. أما معدل البيانات الذي يستهدفه المعيار كتجربة مستخدم في سيناريوهات التقييم، فيبلغ 100 ميجابت في الثانية للوصلة الهابطة و50 ميجابت في الثانية للوصلة الصاعدة.

هذه الأرقام لا تعني أن كل جهاز متصل بشبكة 5G سيحصل فعليا على 20 جيجابت في الثانية؛ فالرقم الأول يمثل معدل الذروة النظري، بينما يتغير الأداء الفعلي بحسب الطيف المستخدم، وعرض النطاق، والتغطية، وعدد المستخدمين، وتجهيزات الشبكة وظروف التشغيل. لكن الفارق المهم بالنسبة إلى منظومة حرائق الغابات هو القدرة التصميمية الأعلى على نقل البيانات، خصوصا عندما تكون مصادر البيانات متعددة وكثيفة.

وفي حالة المسيّرات والكاميرات الحرارية، يمكن لهذه القدرة أن تتيح نظريا نقل تدفقات أكبر من الصور والفيديو والبيانات المكانية، بدل الاقتصار على إرسال تقارير أو صور دورية منخفضة الحجم. وكلما زادت دقة الصور وحجم البيانات وعدد مصادر الرصد، أصبحت قدرة الشبكة على استيعاب حركة البيانات عاملا أكثر أهمية في الزمن الذي تستغرقه المعلومة للوصول إلى منظومة التحليل والقرار.

ومن هنا تظهر قيمة 5G بالنسبة إلى «العيون الرقمية» للغابة: ليس لأن الشبكة ترى الحريق بدلا منها، وإنما لأنها يمكن أن توفر طبقة اتصال ذات قدرة أكبر على نقل ما تراه تلك العيون.

لكن كل ما سبق يبقى وعدا تقنيا على مستوى المعيار، لا نتيجة ميدانية محسومة. والسؤال الذي ينتقل إليه التحقيق الآن هو: أين يقف هذا الوعد اليوم على أرض الواقع الجزائري؟ وهل يمكن لقدرات الشبكة وحدها أن تُحدث الفرق، أم أن تحويل هذا الوعد إلى استجابة فعلية لحرائق الغابات يتطلب منظومة ميدانية متكاملة لا يقتصر دورها على الاتصال؟

واقع الـ5G الآن في الجزائر.. ورهانات وتحديات الميدان

واقع الجيل الخامس في الجزائر بين التغطية والبنية التحتية والأمن السيبراني وتحديات تحويله إلى منظومة ميدانية متكاملة (صورة توضيحية بالذكاء الاصطناعي)

الانتقال من «ما يستطيع 5G فعله نظريا» إلى «ما يستطيع فعله فعليا» يغيّر طبيعة السؤال. فشبكة الجيل الخامس لا تعمل في فراغ، ولا تكفي مواصفاتها التقنية وحدها لبناء منظومة رقمية قادرة على مرافقة حرائق الغابات؛ إذ ترتبط فعاليتها بواقع التغطية، وطبيعة المناطق المستهدفة، وقدرة البنية التحتية على استيعاب البيانات، إضافة إلى متطلبات التشغيل والأمن واستمرارية الخدمة. وفي الجزائر، حيث دخل 5G مرحلة الانتشار التجاري، يصبح الاختبار الحقيقي هو معرفة ما إذا كان هذا الانتشار يمكن أن يتحول من خدمة اتصالات متقدمة إلى بنية قادرة على دعم استخدامات ميدانية حساسة، مثل مراقبة الغابات والاستجابة للحرائق.

محي الدين مكاوسي: من التكنولوجيا إلى منظومة وطنية

تحويل هذه الإمكانات إلى منظومة فعلية لا يتعلق بالشبكة وحدها، وإنما بكيفية بناء البنية الرقمية المحيطة بها وإدارتها. وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ محيي الدين مكاوسي، الاستشاري والخبير في التكنولوجيات الحديثة في حديثه لـ “سهم ميديا”، أن الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهما في تحسين الخدمات وإدارة الموارد وتسهيل اتخاذ القرار، كما يمكن أن يفتحا المجال أمام أنشطة اقتصادية جديدة. غير أن الاستفادة من هذه التقنيات، في نظره، تقتضي أن تكون الأنظمة الناتجة عنها موثوقة وملائمة للاحتياجات الوطنية.

وتبرز مسألة البيانات باعتبارها إحدى القضايا الأساسية في هذا التحول. فالمعلومات التي تنتجها منظومة مراقبة الغابات لا تقتصر على بيانات بيئية عامة؛ إذ يمكن أن تشمل صورًا حرارية، وإحداثيات دقيقة، وخرائط مفصلة، ومعلومات مرتبطة بالتدخلات الميدانية. ولذلك يرى مكاوسي أن المعطيات الأكثر حساسية ينبغي أن تكون تحت سيطرة وطنية واضحة، مع تحديد مكان تخزينها، والجهات المخولة بالوصول إليها، وآليات حمايتها واستمرارية إتاحتها.

ومن هذا المنطلق، يقترح التفكير في تكرار البيانات (Replication) عبر أكثر من مركز بيانات موجود على التراب الوطني، بما يعزز توفرها ويقلل مخاطر فقدانها عند تعطل أحد المراكز. كما يرى ضرورة وضع سياسة واضحة قبل إطلاق المشروع، تحدد تصنيف البيانات، ومكان تخزينها، وشروط الوصول إليها، ومدة الاحتفاظ بها، وكيفية إدارتها ومشاركتها.

ولا يرى مكاوسي أن مثل هذا المشروع ينبغي أن يبدأ مباشرة على نطاق وطني واسع. فحجم الاستثمار يعتمد على مساحة الإقليم المشمول بالتغطية، وعدد أجهزة الاستشعار والتجهيزات، وحساسية البيانات، وبنية الشبكة، ومستوى التوافر المطلوب. لذلك يقترح نهجا تدريجيا يبدأ بمشاريع تجريبية محدودة تسمح بتحديد الاحتياجات والمخاطر قبل الانتقال إلى مراحل أوسع، مع الاستفادة من البنى التحتية الوطنية القائمة وخبرات المتعاملين والمؤسسات العمومية والشركات الناشئة والجامعات.

وهكذا، فإن الرهان بالنسبة إلى مكاوسي لا يتمثل في إدخال تقنية جديدة فحسب، وإنما في بناء منظومة وطنية تستطيع التحكم في البيانات التي تنتجها، وضمان استمراريتها، وتوسيعها تدريجيا وفق الاحتياجات الفعلية.

فلة قوار: حين تصبح الغابة شبكة من الأجهزة

غير أن اتساع هذه المنظومة يفتح سؤالا آخر: ماذا يحدث عندما تتحول الغابة إلى بيئة تضم مئات أو آلاف الأجهزة المتصلة؟ هنا تنتقل المسألة من بناء البنية الرقمية إلى تأمينها.

وتوضح فلة قوار، رئيسة مؤسسة «إنتليجنت نيتوورك» ومؤسِّسة أكاديمية Inet المتخصصة في الأمن السيبراني في تصريحها لـ “سهم ميديا”، أن كل جهاز استشعار أو كاميرا أو بوابة اتصال يمكن أن يمثل نقطة دخول محتملة إلى النظام. وتعطي، في هذا السياق، تقديرا تقريبيا مفاده أن تغطية 10 كيلومترات مربعة من الغابات قد تتطلب نحو 500 جهاز استشعار متصل، ما يعني أن زيادة عدد النقاط المتصلة توسع معها سطح التعرض للمخاطر.

وتزداد حساسية هذه المسألة في المناطق النائية، حيث يمكن أن تتعرض الأجهزة للسرقة أو التخريب أو التلاعب، بينما تجعل عزلة المواقع مراقبتها وصيانتها أكثر تعقيدا. وقد يؤدي الوصول إلى جهاز واحد غير مؤمَّن بشكل جيد إلى فتح الطريق أمام محاولة الوصول إلى تجهيزات أخرى داخل المنظومة. وتستحضر قوار هنا حادثة «Mirai» التي وقعت عام 2016، عندما استُغلت أجهزة متصلة بالإنترنت، بينها كاميرات وأجهزة توجيه، في هجمات واسعة النطاق. وبحسب المثال الذي تطرحه، كانت كلمات المرور الافتراضية من بين نقاط الضعف التي استُغلت لتجنيد مئات الآلاف من الأجهزة، قبل استخدامها في هجمات عطّلت خدمات على نطاق واسع.

ولا تكمن أهمية «Mirai» بالنسبة إلى مشروع الغابة المتصلة في مقارنة البيئتين، وإنما في الدرس الذي تكشفه: كلما توسعت شبكة الأجهزة المتصلة، لم يعد تأمين كل نقطة أمرا ثانويا، لأن ضعف جهاز واحد يمكن أن يتحول إلى مدخل لاستهداف أجزاء أخرى من المنظومة. ولهذا، يجب التعامل مع أجهزة الاستشعار والكاميرات باعتبارها أجزاء مترابطة من بنية رقمية واحدة.

لكن الخطر الأكثر حساسية في منظومة تعتمد على البيانات لاتخاذ القرار لا يتعلق بسرقة المعلومات فقط، بل بسلامة المعلومة نفسها. فالتلاعب بالبيانات، كما تقول قوار، يمكن أن يؤدي إلى إسكات إنذار حقيقي أو إغراق مركز العمليات بإنذارات كاذبة. وفي نظام للكشف عن الحرائق، تعتبر رئيسة مؤسسة «إنتليجنت نيتوورك» أن دقة المعلومات وموثوقيتها وتوفرها في الوقت المناسب عناصر حيوية، لأن المعلومة الخاطئة أو المعدلة أو غير المتاحة في اللحظة المناسبة قد تكون لها تداعيات خطيرة.

ومن هنا تؤكد المتحدثة أن الأمن السيبراني ينبغي ألا يكون إجراء لاحقا، بل أن يدخل في تصميم المشروع منذ البداية، من خلال المصادقة على الأجهزة، وتشفير الاتصالات، وتقسيم الشبكات، والتحكم في صلاحيات الوصول، والتحديثات الأمنية، والمراقبة المركزية للسلوك غير الطبيعي.

ولا تنفصل هذه الحماية عن مسألة البيانات نفسها، خصوصا عندما تكون الكاميرات قادرة على تصوير أشخاص أو مركبات. لذلك يجب أن تحدد المنظومة منذ البداية قواعد التعامل مع البيانات، والجهات المخولة بالوصول إليها، وكيفية حمايتها واستمرارية إتاحتها.

أما تكلفة هذا الجانب، فلا ترى قوار أنه يمكن اختزالها في نسبة ثابتة؛ فهي تشمل تكوين الفرق، وحماية الأجهزة والاتصالات، والمراقبة والكشف عن الحوادث، والاستجابة لها، والنسخ الاحتياطي واستمرارية الخدمة. وبالنسبة إليها، لا ينبغي التعامل مع الأمن السيبراني باعتباره تكلفة يمكن الاستغناء عنها، بل كجزء من الاستثمار الضروري لموثوقية المشروع واستدامته.

حسان درار: أربعة اختبارات أمام الغابة المتصلة

وتتمثل إحدى الإمكانات التي يتيحها الجيل الخامس في دعم شبكات واسعة من أجهزة إنترنت الأشياء منخفضة الاستهلاك، وهو ما يفتح نظريا المجال أمام نشر أجهزة استشعار في الغابات لقياس الحرارة والرطوبة والغازات والدخان، وربطها بمنظومات المراقبة والكشف المبكر. غير أن تحويل هذه الإمكانية إلى شبكة ميدانية واسعة في الغابات الجزائرية يصطدم، بحسب الأستاذ حسان درار، الأستاذ المحاضر بالمدرسة الوطنية العليا للتسيير والأمين العام السابق بوزارة الرقمنة والإحصاء، بأربعة عوائق رئيسية.

أولها التغطية الراديوية الفعلية داخل المناطق الحرجية وتحت الأشجار وفي التضاريس الوعرة، حيث تتأثر جودة الإشارة بخصائص المكان، ما يجعل توفير اتصال مستقر في كل نقطة من الغابة مختلفا تماما عن توفيره في منطقة حضرية.

وثانيها الطاقة والصيانة، إذ يفترض بأجهزة الاستشعار أن تعمل لفترات طويلة بالاعتماد على البطاريات أو الألواح الشمسية، في بيئة تجعل الظروف الجوية، وبعد المواقع، والغطاء النباتي عمليات الصيانة وإعادة تزويد الطاقة أكثر تعقيدا.

وثالثها العائق اللوجستي والاقتصادي، فتركيب آلاف نقاط الاستشعار ومعايرتها وصيانتها ومتابعة سلامتها عبر آلاف الهكتارات يتطلب تمويلا وموارد بشرية متخصصة وسلسلة إمداد قادرة على ضمان استمرارية المنظومة.

أما رابعها فيتعلق بدمج البيانات، إذ لا يكفي نشر أجهزة الاستشعار وجمع المعلومات، بل يجب ربط البيانات التي تنتجها بمراكز العمليات والمنصات القائمة، حتى لا تتحول التكنولوجيا الجديدة إلى جزر رقمية منفصلة عن منظومة القرار والتدخل.

ويضع درار سقفا زمنيا واقعيا لهذا الانتقال، قائلا: «رغم أن حرائق عام 2026 أدت إلى تسريع الاهتمام بهذه الحلول التكنولوجية، إلا أن الانتقال الفعلي من مرحلة النموذج الأولي إلى نشر واسع النطاق وموثوق سيستغرق بضع سنوات أخرى، وسيتطلب تمويلات مخصصة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإجراء اختبارات ميدانية واسعة النطاق في المناطق الأكثر عرضة للخطر».

وهكذا، تكشف قراءة الخبراء الثلاثة أن الانتقال إلى غابة متصلة لا يختصر في نشر شبكة 5G؛ فهناك بيانات يجب التحكم فيها، ومنظومة يجب تأمينها، وتغطية وطاقة وبنية ميدانية يجب توفيرها، ثم اختبارات واستثمارات وشراكات تسمح بالانتقال من التجربة إلى الاستخدام الواسع.

لكن السؤال هنا لم يعد فقط: ما الذي ينقص الجزائر اليوم؟ بل أصبح: ماذا يمكن أن يحدث إذا أمكن توفير هذه الشروط وتجاوز هذه العقبات؟

نحو الغابة المتصلة: ماذا لو تحققت الشروط وتم تجاوز التحديات؟

كيف يمكن لمنظومة رقمية متكاملة أن تجعل حماية الغابات الجزائرية أسرع وأكثر فاعلية؟ (صورة توضيحية بالذكاء الاصطناعي)

إذا أمكن تجاوز القيود المتعلقة بالتغطية والطاقة والصيانة والأمن وحوكمة البيانات، فإن السؤال يتغير مرة أخرى: كيف يمكن أن تعمل هذه المنظومة على أرض الواقع عندما تنتقل من مجموعة تقنيات منفصلة إلى سلسلة مترابطة للكشف والتحقق والقرار والاستجابة؟

في هذا السيناريو، لا تبدأ مكافحة الحريق عند وصول الدخان إلى برج المراقبة أو ظهور ألسنة اللهب في صورة فضائية، بل يمكن أن تبدأ عند التقاط مؤشرات أولية في البيئة نفسها. أجهزة الاستشعار المنتشرة في المناطق الأكثر عرضة للخطر يمكنها مراقبة تغيرات الحرارة والرطوبة وتركيزات بعض الغازات أو الدخان، وإرسال البيانات بصورة مستمرة إلى المنظومة المركزية.

ولا يعني ذلك أن كل تغير في درجة الحرارة سيكون إنذارا بحريق. هنا يأتي دور تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في البحث عن الأنماط غير الاعتيادية وربط أكثر من مؤشر ببعضه، بدل التعامل مع كل قراءة منفردة باعتبارها حادثا. فإذا ظهرت إشارة تستحق التحقق، يمكن أن تنتقل المنظومة إلى الطبقة التالية.

هنا تصبح المسيّرات عنصر تحقق ميداني متحرك. فبدل أن تقتصر مهمتها على الدوريات أو التصوير الدوري، يمكن توجيهها إلى منطقة محددة بناء على إحداثيات يحددها النظام، لتوفير صور مرئية أو حرارية تساعد على التمييز بين حريق فعلي وإنذار كاذب، وتمنح مركز العمليات صورة أحدث وأكثر دقة عن الموقع.

وفي الوقت نفسه، تستطيع صور الأقمار الصناعية أن تقدم طبقة أوسع من الرؤية، تسمح بوضع الحادث داخل سياقه الجغرافي والبيئي: طبيعة الغطاء النباتي، اتجاهات انتشار الخطر، المناطق المتضررة، والمساحات التي قد تكون أكثر قابلية للاشتعال. وبذلك لا تصبح الأقمار الصناعية بديلا عن المستشعرات أو المسيّرات، بل طبقة مختلفة من المعلومات تكمل ما لا تستطيع كل أداة رؤيته بمفردها.

وعندما تصل هذه المعطيات إلى مركز العمليات، تصبح قيمة الاتصال مرتبطة بما يحدث بعد جمع البيانات. فبدل وجود صور من جهة، وقراءات أجهزة الاستشعار من جهة ثانية، ومعلومات ميدانية من جهة ثالثة، يمكن للمنظومة أن تجمعها في واجهة تشغيلية واحدة، تعرض موقع الحادث ومؤشراته والصور المرتبطة به، وتساعد المسؤولين على تحديد مستوى الخطر والموارد التي ينبغي توجيهها.

في هذه المرحلة تحديدا يمكن أن تظهر إحدى أهم فوائد الجيل الخامس، إذا كانت التغطية والبنية الأساسية تسمحان بذلك: تقليل الفاصل بين إنتاج المعلومة ووصولها إلى الجهة التي تحتاج إليها. ومع شبكة 5G مستقلة (Standalone) وبنية مصممة للتطبيقات الحرجة، يمكن توفير خصائص اتصال أكثر ملاءمة لبعض الاستخدامات التي تتطلب زمن استجابة منخفضا واعتمادية مرتفعة.

ويمكن لتقنيات مثل Network Slicing، عندما تكون مدعومة على مستوى الشبكة والبنية الأساسية، أن تتيح تخصيص موارد اتصال لخدمات محددة ذات أولوية، بحيث لا تُعامل الاتصالات المرتبطة بالعمليات الحرجة بالضرورة بالطريقة نفسها التي تُعامل بها حركة الاستخدام العادي. لكن ذلك يظل مرتبطا بقدرات الشبكة الفعلية وطريقة تصميمها وإدارتها، وليس بمجرد توفر شعار 5G.

وتظهر هنا أيضا أهمية الحوسبة الطرفية (Edge Computing). فليس من الضروري أن تنتقل كل صورة وكل قراءة خام إلى مركز بيانات بعيد قبل إجراء أي تحليل. بعض المعالجة يمكن أن تتم بالقرب من مصدر البيانات، سواء على متن المسيّرة أو في عقد حوسبة قريبة من موقع الحدث، بحيث يتم إرسال المعلومات الأكثر أهمية إلى مركز العمليات بدل نقل كل البيانات بلا تمييز.

وهذا يمكن أن يغيّر طبيعة الاستجابة نفسها. فإذا أكدت الصور الحرارية وجود بؤرة حريق، وكانت الإحداثيات دقيقة، وكانت بيانات الرياح والغطاء النباتي متاحة، يمكن لمركز العمليات أن يمتلك في وقت أقصر صورة أكثر اكتمالا عن الموقف قبل توجيه الموارد. وتصبح المسألة عندها أقل ارتباطا بسرعة اكتشاف الحريق وحدها، وأكثر ارتباطا بسرعة تحويل الاكتشاف إلى قرار قابل للتنفيذ.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أن تكون المنظومة قادرة على العمل حتى عندما يفشل جزء منها. لذلك تصبح روابط الاتصال الاحتياطية، وتكرار البيانات، ومراكز البيانات الموزعة، وآليات استعادة الخدمة عناصر أساسية. فالغابة المتصلة لا تكون ذكية إذا كانت تفقد قدرتها على الرؤية بمجرد تعطل مركز بيانات أو مسار اتصال واحد.

والأمر نفسه ينطبق على الأمن السيبراني. فكلما أصبحت المنظومة أكثر قدرة على جمع المعلومات وربط الأجهزة واتخاذ القرارات، أصبحت سلامة هذه المعلومات جزءا من سلامة القرار نفسه. ولذلك فإن المصادقة على الأجهزة، وتشفير الاتصالات، وتقسيم الشبكات، وإدارة الصلاحيات، ومراقبة السلوك غير الطبيعي، والاستجابة للحوادث، لا تكون طبقات إضافية فوق المشروع، بل مكونات داخله منذ مرحلة التصميم.

كما أن حوكمة البيانات تصبح أكثر أهمية كلما ارتفعت قيمة المعلومات التي تنتجها المنظومة. فالصور الحرارية والإحداثيات الدقيقة ومواقع الأجهزة ومسارات فرق التدخل لا ينبغي أن تتحول إلى بيانات مبعثرة بين منصات مختلفة. المطلوب هو تحديد من يملك حق الوصول، وما الذي يمكنه رؤيته أو استخدامه، وكيف تحفظ البيانات، وكيف تستعاد عند وقوع عطل، وكيف تتم مشاركتها بين الجهات المعنية.

وهنا يعود شرط التكامل المؤسساتي إلى الواجهة. فحتى أفضل شبكة اتصال لن تحقق أثرها إذا بقيت البيانات محصورة داخل منصة لا تتحدث مع بقية المنظومة. القيمة تظهر عندما تستطيع الجهات المعنية — من الحماية المدنية والمديرية العامة للغابات إلى المؤسسات العلمية والوكالة الفضائية والمتعاملين وشركاء التكنولوجيا — تبادل المعلومات ضمن أدوار وصلاحيات محددة، بحيث تتحول البيانات من ملفات منفصلة إلى صورة تشغيلية مشتركة.

في هذه الحالة، يمكن تصور سلسلة متصلة تبدأ من مؤشر بيئي صغير، ثم تحليل آلي، ثم تحقق بصري أو حراري، ثم تحديد للموقع، ثم تقييم للخطر، ثم قرار، ثم توجيه لفرق التدخل. وكل طبقة لا تلغي الطبقة التي قبلها، وإنما تضيف إليها معلومة تقلل مساحة عدم اليقين.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمنظومة: ليس في أن تصبح الغابة مليئة بالأجهزة، ولا في أن تصل سرعة الاتصال إلى رقم قياسي، وإنما في اختصار الزمن بين اللحظة التي يبدأ فيها الخطر واللحظة التي يصبح فيها مفهوما وقابلا للتصرف.

لكن هذا التصور يظل سيناريو تقنيا مستقبليا بالنسبة إلى الجزائر. والسؤال التالي هو: هل توجد في العالم تجارب طبقت بالفعل بعض هذه العناصر، وما الذي أثبتته على الأرض، وما الذي بقي مجرد وعد تقني؟ ومن هنا تصبح التجارب الدولية اختبارا عمليا لما يمكن أن تعنيه «الغابة المتصلة» خارج التصور النظري.

من الغابات الأيبيرية إلى جبالنا: ماذا تعلمنا تجربتا Telefónica وT-Mobile؟

توظيف الجيل الخامس والمسيّرات والذكاء الاصطناعي في منظومة متكاملة لمواجهة حرائق الغابات (صورة توضيحية بالذكاء الاصطناعي)

إذا كان السيناريو الجزائري الذي رسمه الخبراء يبدو حتى الآن أقرب إلى تصور مستقبلي، فإن تجارب دولية حديثة تقدم نماذج عملية لما يمكن أن يحدث عندما تلتقي شبكات الجيل الخامس بالمسيّرات والذكاء الاصطناعي والحوسبة الطرفية.

لكن أهمية هذه التجارب لا تكمن في القول إن الجزائر تستطيع ببساطة نسخها، وإنما في الكشف عن كيفية تحويل الاتصال من مجرد خدمة لنقل البيانات إلى جزء من منظومة عمليات ميدانية متكاملة.

في إسبانيا، طورت شركة Telefónica بالتعاون مع حكومة إقليم إكستريمادورا نموذجا للمسيّرات المتصلة والمُدارة عن بعد، وجرى تطبيقه في منطقة Cuacos de Yuste بإقليم كاسيريس ضمن استخدامات مرتبطة بالوقاية من حرائق الغابات وإدارة حالات الطوارئ. وتجمع المنظومة بين الاتصال عبر 5G، والمسيّرات، والحوسبة الطرفية، والذكاء الاصطناعي.

الفكرة مختلفة عن نموذج المراقبة التقليدي: بدل انتظار وصول طاقم أو طيار إلى المنطقة، يمكن إطلاق الدرون من قاعدة آلية قريبة من موقع الخطر، ثم نقل الصور إلى الجهات المعنية عبر الشبكة. وتوضح Telefónica أن سيناريو التشغيل يبدأ من اكتشاف بؤرة حرارة، ثم الاتصال بالطيارين عن بعد، وإطلاق الدرون من “عشه”، ليصل خلال دقائق وينقل الصور عبر 5G للمساعدة في تحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى تحريك الموارد. وهنا تظهر قيمة الاتصال في سياق عملي محدد: 5G لا تكتشف الحريق وحدها، ولا تطفئه، لكنها تجعل الدرون جزءا من حلقة أسرع بين الإنذار والصورة والقرار.

وتضيف التجربة الإسبانية عنصرا آخر بالغ الأهمية؛ فالمعالجة لا تعتمد بالضرورة على إرسال كل البيانات إلى مركز بعيد، إذ توظف Telefónica الحوسبة الطرفية لتحليل الصور بالقرب من نقطة التقاطها، بما يساعد على تقليل زمن الاستجابة وتحويل الفيديو من مجرد تدفق مرئي إلى معلومة قابلة للاستخدام.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تقدم الشراكة بين T-Mobile وPano AI نموذجا مختلفا للغابة المتصلة. فبدل أن يكون الدرون هو نقطة الرصد المتحركة، تعتمد المنظومة على كاميرات عالية الدقة مرتبطة بشبكة الاتصالات، تقوم بمراقبة المناطق المعرضة للحرائق وإرسال المعطيات إلى منظومة تحليل تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

وقد أطلقت الشراكة نموذجها في منطقة بورتلاند بولاية أوريغون، حيث استخدمت كاميرات متصلة بشبكة 5G للكشف النشط عن بدايات الحرائق وتحليل البيانات في شبه الزمن الحقيقي، قبل توسيع الحل إلى مناطق أخرى معرضة للحرائق. وتقوم الفكرة على طبقة ثابتة من المراقبة البصرية: الكاميرات تلتقط المشهد باستمرار، فيما تتولى خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل الصور والتمييز بين المؤشرات التي تستحق التنبيه وتلك التي قد تكون إنذارات كاذبة، لتصل المعلومة إلى الجهات المختصة بصورة أسرع وأكثر قابلية للاستخدام.

وبذلك تقدم التجربتان نموذجين مختلفين لكنهما متكاملان من حيث الفكرة: نموذج Telefónica يركز على المرونة الجوية — درون يمكن إطلاقه عند الحاجة، والتحكم فيه عن بعد، وإرسال صورة ميدانية تساعد في تقييم الحادث واتخاذ القرار — بينما يركز نموذج T-Mobile/Pano AI على الرصد المستمر: كاميرات ثابتة تراقب مساحات واسعة، والذكاء الاصطناعي يساعد على اكتشاف المؤشرات المبكرة وتحويلها إلى إنذار قابل للتصرف.

وهذا الاختلاف مهم بالنسبة للجزائر؛ لأن طبيعة الغابات واتساعها وتنوع تضاريسها تجعل من الصعب تصور حل واحد يغطي جميع الحالات. فقد تحتاج المناطق ذات المخاطر المرتفعة إلى مستشعرات وكاميرات ثابتة، فيما يمكن للمسيّرات أن توفر طبقة متحركة للتحقق من الإنذارات والوصول إلى مناطق يصعب استطلاعها ميدانيا.

ومن هنا يمكن النظر إلى 510 أبراج المراقبة الموجودة في الجزائر نقاطا يمكن أن تصبح، في سيناريو مستقبلي، جزءا من منظومة رقمية أكثر تكاملا إذا توافرت لها الكاميرات والاتصال والمعالجة والربط بمراكز العمليات.

ففي كلتا التجربتين، لم يكن 5G كافيا بمفرده: في إسبانيا اجتمع مع درون وقاعدة إطلاق آلية وحوسبة طرفية وذكاء اصطناعي وطيارين عن بعد وفرق طوارئ؛ وفي نموذج T-Mobile وPano AI، اجتمعت الكاميرات والذكاء الاصطناعي والشبكة ومنظومة الاستجابة في سلسلة واحدة.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن تستفيده الجزائر من هذه التجارب ليس: كيف نقلد إسبانيا أو الولايات المتحدة؟ بل: ما الأجزاء التي يمكن تكييفها مع جغرافيتنا وبنيتنا التحتية واحتياجاتنا؟

هل يمكن تحويل بعض أبراج المراقبة إلى نقاط استشعار متصلة؟ هل يمكن إنشاء قواعد “Drone-in-a-Box” في المناطق الأعلى خطورة؟ هل يمكن الجمع بين صور الأقمار الصناعية والمسيّرات والكاميرات الأرضية في منصة وطنية واحدة؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحول هذا الكم من البيانات إلى إنذار موثوق بدل إغراق غرف العمليات بمعلومات متفرقة؟

إن التجارب الدولية لا تقدم وصفة جاهزة للجزائر، لكنها تقدم شيئا أكثر أهمية: دليلا على أن القيمة الحقيقية للاتصال المتقدم تظهر عندما يصبح جزءا من سلسلة عمليات كاملة، تبدأ من الاستشعار ولا تنتهي عند اتخاذ القرار. وهنا تعود المقارنة إلى جبال الجزائر: المسألة لم تعد امتلاك “عيون” أكثر، وإنما بناء الجهاز الذي يجعل هذه العيون ترى معا، وتتحدث معا، وتوصل المعلومة الصحيحة إلى الشخص الصحيح في الوقت المناسب.

العائد على الاستثمار الأخضر: الأثر التنموي والاجتماعي للتحول التقني المرتقب

كيف يمكن للتكنولوجيا أن تحمي الغابات وتخلق فرصا اقتصادية وتنموية في المناطق الريفية والجبلية؟ (صورة توضيحية بالذكاء الاصطناعي)

بعد تفكيك الجانب التقني للغابة المتصلة، والوقوف عند شروط نجاحها وتحدياتها، ثم النظر في نماذج دولية بدأت توظف الجيل الخامس والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي ضمن منظومات متكاملة للإنذار والاستجابة، يبرز سؤال آخر يتجاوز حدود حماية الغابة نفسها: ماذا يمكن أن تعني هذه البنية الرقمية بالنسبة للاقتصاد المحلي والسكان الذين يعيشون في محيطها؟

فحماية الغابات في الجزائر لم تعد مسألة بيئية فقط، خصوصا مع تنامي مخاطر الحرائق والكوارث الطبيعية وما تسببه من خسائر تتجاوز الأشجار والغطاء النباتي إلى الأراضي الفلاحية، والمراعي، وخلايا النحل، وأشجار الزيتون، والمنشآت السياحية، ومصادر دخل الأسر. ومن هذا المنظور، يمكن لتقاطع الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس وإنترنت الأشياء أن يدفع منظومة حماية الغابات تدريجيا من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى منظومة أكثر اعتمادا على اليقظة والتنبؤ والوقاية والاستجابة السريعة.

لكن السؤال الاقتصادي لا يتعلق فقط بكلفة نشر هذه البنية التحتية الرقمية، بل بالقيمة التي يمكن أن تنتج عنها إذا أُدرجت ضمن تصور أوسع للتنمية المحلية.

ويرى عبد الرحمان هادف، المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية في تصريحه لـ”سهم ميديا”، أن الاستثمار في الجيل الخامس داخل المناطق الغابية والجبلية لا ينبغي أن يُقاس فقط بمردوده المباشر على قطاع الاتصالات، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره استثمارا في البنية التحتية للوقاية والمرونة الاقتصادية.

فالحرائق، وفق هذا المنظور، لا تدمر موردا طبيعيا فحسب، وإنما تضرب سلسلة اقتصادية كاملة. ولذلك فإن الاستثمار القادر على تقليص الخسائر أو الحد من انتشار الكارثة يمكن أن تكون له قيمة اقتصادية تتجاوز وظيفته التقنية المباشرة، لينتقل الهدف من مجرد اكتشاف الحريق إلى بناء ما يسميه هادف «اقتصاد الوقاية».

لكن هادف يذهب أبعد من معادلة تجنب الخسائر، ليطرح سؤالا آخر: هل يمكن للبنية الرقمية نفسها أن تصبح عاملا في خلق نشاط اقتصادي جديد داخل المناطق الريفية والجبلية؟

الإجابة، بحسبه، ليست في الجيل الخامس وحده. فـ«5G وحدها لن توقف النزوح الريفي»، لأن التكنولوجيا توفر الإمكانية، بينما تتولى التنمية الاقتصادية المحلية تحويل هذه الإمكانية إلى واقع.

فعندما تصل بنية اتصال موثوقة إلى منطقة جبلية معزولة، يمكن أن تفتح المجال أمام أنشطة جديدة مرتبطة بالاقتصاد المحلي، من خدمات المراقبة البيئية وصيانة الحساسات والطائرات المسيّرة، إلى جمع وتحليل البيانات، والزراعة الذكية، والتجارة الإلكترونية للمنتجات المحلية، والخدمات السياحية الرقمية، والعمل عن بعد.

لكن تحويل هذه الإمكانية إلى اقتصاد محلي فعلي يظل مشروطا بثلاثة عناصر مترابطة: الربط الرقمي، وبناء المهارات، وخلق الطلب الاقتصادي.

فالربط لا ينبغي أن يتوقف عند المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، وإنما يمكن أن يشمل المناطق ذات الأولوية الاقتصادية والبيئية. وبالتوازي، يحتاج شباب هذه المناطق إلى مهارات تسمح لهم بالمشاركة في تشغيل وصيانة المنظومات الرقمية، من إنترنت الأشياء والبيانات إلى الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة. أما العنصر الثالث، فيتمثل في وجود مشاريع وأنشطة قادرة على استيعاب هذه المهارات، وربط البنية الرقمية ببرامج الاستثمار المحلي، والسياحة الجبلية، والفلاحة الذكية، وتثمين المنتجات الغابية والمؤسسات الناشئة.

ومن هنا يقترح هادف الانتقال من مفهوم «شبكة لحماية الغابة» إلى مفهوم أوسع هو «منصة رقمية لتنمية الإقليم الغابي والجبلي».

فبدل نشر التكنولوجيا بالطريقة نفسها في جميع المناطق، يمكن توجيه الاستثمار وفق طبيعة كل إقليم، من خلال الجمع بين القيمة البيئية، والقابلية الاقتصادية، ومستوى المخاطر. ففي المناطق التي تشكل فيها زراعة الزيتون موردا اقتصاديا رئيسيا، يمكن أن تكون الأولوية للزراعة الذكية وسلاسل القيمة، بينما يمكن توجيه الاستثمارات في المناطق ذات الإمكانات السياحية نحو السياحة البيئية والجبلية والخدمات الرقمية المرتبطة بها. أما المناطق الأكثر تعرضا للحرائق، فتكون الأولوية فيها لمنظومات الاستشعار والإنذار والاستجابة.

وهكذا، تتحول البنية الرقمية من مجرد وسيلة للاتصال أو أداة إضافية لمراقبة الغابة إلى بنية تحتية يمكن أن تخدم الوقاية والإنتاج والتنمية في الوقت نفسه.

غير أن هذه الرؤية لا تعني أن الاتصال قادر وحده على حل مشكلة النزوح الريفي أو إعادة تشكيل الاقتصاد المحلي. فقرار البقاء في المناطق الجبلية يرتبط أيضا بفرص العمل والدخل والتعليم والخدمات العمومية. ولذلك فإن قيمة التكنولوجيا تظهر عندما تتقاطع مع هذه العناصر، لا عندما تعمل بمعزل عنها.

وفي هذا السياق، يلخص هادف الرهان في الانتقال من «رقمنة الخدمات إلى رقمنة الأقاليم»؛ أي استخدام الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس ليس فقط لتحسين جودة الاتصال، وإنما لخلق شروط تسمح بحماية الموارد، ورفع قيمة الأنشطة المحلية، وفتح فرص جديدة للسكان.

لكن القيمة التي يمكن أن تنتج عن هذا التحول لا تُقاس فقط بعدد الحساسات أو سرعة الشبكة أو حجم البيانات المتداولة، وإنما بما يمكن أن تضيفه هذه البنية إلى قدرة الإقليم على حماية موارده والاستفادة منها. فحين تصبح البنية الرقمية جزءا من منظومة متكاملة، يمكن أن تتقاطع حماية الغابة مع حماية الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، وأن تتحول المناطق الريفية والجبلية من مجرد فضاءات تحتاج إلى التغطية إلى أقاليم يمكن أن تستفيد من التكنولوجيا في الإنتاج والخدمات والابتكار.

وبذلك، لا يعود الرهان على الجيل الخامس منفصلا عن السؤال الأكبر الذي يطرحه مستقبل الغابة الجزائرية: كيف يمكن تحويل ما تملكه الجزائر من أدوات للرصد والتقنيات الجديدة إلى منظومة متكاملة تخدم الوقاية والاستجابة، وتحمي الموارد، وتفتح في الوقت نفسه إمكانات جديدة للتنمية المحلية؟ ومن هنا يصبح الانتقال من «حماية الغابة» إلى «بناء إقليم أكثر اتصالًا وقدرة على الصمود» أحد الاحتمالات التي يفتحها هذا التحول التقني، قبل أن تعود الرحلة إلى السؤال الذي حمل التحقيق منذ بدايته: هل يمكن لشبكة اتصال أن تُطفئ حريق غابة؟

صياغة المستقبل: هل يمكن لشبكة اتصال أن تُطفئ حريق غابة؟

هل يمكن لشبكة الاتصال أن تُسهم في إخماد حرائق الغابات عبر تسريع الكشف والإنذار واتخاذ القرار والاستجابة الميدانية؟ (صورة توضيحية بالذكاء الاصطناعي)

والجواب، بعد هذا المسار الاستقصائي، يبدو للوهلة الأولى بسيطا: لا. فشبكة الاتصال لا تطفئ حريقا، ولا تستطيع وحدها أن تعوّض فرق التدخل أو وسائل الإطفاء أو صعوبة التضاريس. لكنها، عندما تكون جزءا من منظومة متكاملة تضمّ أجهزة الاستشعار، والمسيّرات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة، ومراكز العمليات وفرق التدخل، يمكن أن تؤدي دورا حاسما في تقليص الوقت الفاصل بين نشوء الخطر واكتشافه وفهمه واتخاذ القرار بشأنه.

وفي مواجهة حريق قد تتسع رقعته في دقائق، قد يكون هذا الوقت هو الفارق الأهم. فالقيمة الحقيقية للاتصال المتقدم لا تكمن في قدرته على إطفاء النار، وإنما في ما يمكن أن يمنحه للإنسان قبل أن تتسع: وقتا إضافيا، ومعلومة أدق، وقرارا أسرع.

ومن هنا، فإن رهان «الغابة المتصلة» ليس استبدال الإنسان بالتكنولوجيا، بل منح الإنسان أدوات أفضل ليرى الخطر في وقت أبكر، ويفهمه بصورة أوضح، ويتدخل قبل أن يصبح احتواؤه أكثر صعوبة.

وهكذا، فإن الإجابة عن السؤال الذي حمله التحقيق منذ بدايته تبقى: لا، شبكة الاتصال لا تطفئ حريق غابة بمفردها؛ لكنها، عندما تكون جزءا من منظومة متكاملة، قد تساعد الإنسان على إخماده قبل فوات الأوان.