تقف الجزائر أمام فرصة استراتيجية غير مسبوقة لتعزيز حصتها في سوق الطاقة القارية ومضاعفة العائدات المالية المباشرة لخزينتها العمومية، في وقت تواجه فيه حكومات القارة الأوروبية ضغوطاً متصاعدة جراء التراجع الحاد في مخزونات الغاز الطبيعي وارتفاع تكاليف الشراء قبل حلول موسم الشتاء.
وتضع هذه التطورات الميدانية والمالية الجزائر في موقف المورد الإقليمي الأكثر موثوقية والأقدر على سد الفجوة الطاقوية المزمنة التي تعاني منها أوروبا.
أزمة تخزين تاريخية تدفع أوروبا نحو الغاز الجزائري
أظهرت البيانات الميدانية الصادرة عن منصة “غاز إنفراستركتشر إيوروب” أن نسبة امتلاء مرافق التخزين في الاتحاد الأوروبي سجلت تراجعاً حاداً لتستقر عند 57.1 بالمئة فقط، وهو أدنى مستوى تسجله القارة العجوز في مثل هذا الوقت من العام منذ ما يقرب من عقدين من الزمن.
ووصل الحجم الفعلي الإجمالي للمخزونات الأوروبية إلى نحو 645.4 تيراواط/ساعة، مقارنة بالطاقة الاستيعابية الإجمالية البالغة 1100 تيراواط/ساعة.
ويعني هذا تسجيل نقص ميداني ضخم بحجم 454.6 تيراواط/ساعة لتجهيز القارة للشتاء، وسط تراجع حاد في وتيرة ضخ الكميات الصافية المضافة بنسبة 21 بالمئة خلال شهر يوليو مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، لتسجيل أضعف معدل ملء شهري للمخزونات منذ عام 2020.
وتفاقمت المشهدية بفعل تعطل نحو خُمُس (20 بالمئة) إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، مع اندلاع سباق محموم بين الدول الآسيوية والأوروبية لاقتناص الشحنات المتاحة، ما أسفر عن تراجع الواردات الأوروبية باستثناء إيطاليا التي واصلت المشتريات لتلبية المتطلبات الصارمة لمخزونها الوطني.
أرقام مالية قياسية وتقييم القيمة المالية للنقص الأوروبي
وعلى الصعيد المالي، أحدث هذا الشح الميداني ضغوطاً تسعيرية هائلة على الموازنات الحكومية والشركات المشغلة للمرافق، حيث استقرت العقود الهولندية الآجلة لأقرب استحقاق —وهي المعيار المرجعي لأسعار الغاز في أوروبا— عند 58.64 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
وبناءً على هذه الأسعار المرجعية الحالية، تقدر القيمة المالية لنقص التخزين الأوروبي بحوالي 26.65 مليار يورو تكلفة مبدئية لازمة لتغطية الفجوة وإعادة تعبئة المخزونات بحساب سعر الغاز القياسي في الأسواق الأوروبية (مؤشر TTF الهولندي) ar.tradingeconomics.com البالغ 55.49 يورو لكل ميغاواط/ساعة..
ومع توقعات المؤسسات المالية بأن تضطر الدول الأوروبية لدفع أسعار أعلى بكثير لتأمين احتياجات الشتاء، حيث يُرجح أن تقفز أسعار عقود شهر ديسمبر لتتجاوز حاجز 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة، فإن القيمة المالية الإجمالية للنقص الأوروبي ستتضاعف لتتجاوز 45.46 مليار يورو.
ورغم أن الأسعار الحالية لا تزال أعلى بنسبة 80 بالمئة مقارنة بمستوياتها المسجلة قبل اندلاع الحرب والتأزم الإقليمي، إلا أن الاستمرار في هذه القفزات السعرية يقلص الحوافز الاقتصادية لإعادة التخزين بالأسعار المرتفعة، ما يجعل الاعتماد على الأنابيب الجزائرية الخيار المباشر والأقل تكلفة والأكثر جدوى مالية بالنسبة لأوروبا.
زيارة تبون لبرلين وعقد “سوناطراك” التاريخي مع “VNG” الألمانية
وتتوج هذه المعطيات بفضل التحركات الدبلوماسية الرئاسية والميدانية الشاملة، وعلى رأسها الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، والتي أثمرت توقيع عقد توريد جديد ومحوري بين مجمع “سوناطراك” وشركة الطاقة الألمانية “في إن جي” (VNG).
ووقع الاتفاقية الرئيس المدير العام لسوناطراك نور الدين داودي ورئيس مجلس إدارة المجموعة الألمانية أولف هايتمولر، بإشراف وزير الدولة وزير الهيدروكربونات محمد عرقاب والمسؤولين الفيدراليين الألمان. ويقضي العقد التاريخي بزيادة كميات الغاز الطبيعي الموجهة نحو السوق الألمانية ابتداءً من أول يناير 2027، مكرساً موقع الجزائر كأحد أكبر موردي الغاز لأكبر اقتصاد في القارة.
وتتجاوز هذه الخطوة مجرد البيع المباشر لتشمل شراكات استثمارية واعدة في الهيدروجين الأخضر وخفض انبعاثات الميثان، من خلال مشروع تحالف الهيدروجين (ALTEH2A) وممر الهيدروجين الجنوبي (SoutH2 Corridor) الممتد لنقل الطاقة من الجزائر إلى أوروبا عبر إيطاليا والنمسا وألمانيا.
زيارة بيذرو سانشيز إلى الجزائر وإعادة إحياء الشراكة الطاقوية
وفي السياق ذاته، جاءت الزيارة الرسمية والتاريخية التي قام بها رئيس الحكومة الإسبانية بيذرو سانشيز إلى الجزائر لتشكل تحولاً مفصلياً في العلاقات الثنائية بعد فترة من الجمود السياسي.
وحظيت الزيارة باهتمام دولي واسع، حيث التقى سانشيز بالرئيس عبد المجيد تبون برفقة كبار مسؤولي شركات الطاقة الإسبانية، معلناً صراحة أن الجزائر تعد الشريك الاستراتيجي الأول والمورد الأكبر للغاز الطبيعي لإسبانيا.
وأسفرت المباحثات المكثفة عن إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وتعميق التعاون الاقتصادي وتأمين الضخ المباشر عبر أنبوب “ميدغاز” والشحنات البحرية، مما ضمن تدفقاً طاقوياً مستقراً لمدريد ومردوداً مالياً ثابتاً للجزائر يرتكز على عقود متينة تضمن التوازن التسعيري ورفاهية التدفق التجاري عبر البحر المتوسط.
الجزائر مركز إقليمي ومورد رئيسي للقارة العجوز
تثبت قراءة المؤشرات الاقتصادية والسياسية أن الجزائر باتت تخطو بثبات نحو افتكاك الموقع القيادي في منظومة الطاقة الإقليمية، مستفيدة من بنيتها التحتية المتميزة وقدرتها الإنتاجية المتصاعدة.
ومع تجاوز حجم الاقتصاد الجزائري لمراتب متقدمة عربياً وقارياً، تمنح العقود طويلة الأجل المبرمة مع ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا مرونة مالية استثنائية للموازنة العامة الجزائرية، وتتيح للبلاد استغلال الفجوة السعرية الأوروبية لتحقيق عائدات قياسية من العملة الصعبة.
ويضمن هذا التموضع الاستراتيجي استقرار وتدفق المداخيل البترولية مع حماية المصالح الوطنية، وتأكيد دور الجزائر بصفتها الفاعل الأساسي وضامن الأمن الغذائي والطاقوي في المنطقة



