بعد إلغاء السعودية شحنات لأوروبا وصعود النفط لـ 130 دولاراً.. “صحاري بليند” الجزائري يغري المصافي

طاقة ومناجم

تشهد أسواق الطاقة العالمية أزمة إمدادات حادة وغير مسبوقة عقب اتخاذ المملكة العربية السعودية قرارات استثنائية بإلغاء طلبيات نفطية مخصصة للعملاء الأوروبيين وتعلِيق عمليات التحميل عبر الموانئ الحيوية.

وتأتي هذه التطورات الدراماتيكية في أعقاب تعرض خط الأنابيب السعودي الاستراتيجي “الشرق-الغرب” لهجمات متتالية أدت إلى توقفه، مما فرض ضغوطاً تصاعدية قوية على أسعار الخام الفوري في الأسواق الأوروبية والعالمية، التي قفزت لتتجاوز حاجز 130 دولاراً للبرميل وسط تسارع الشركات العالمية للبحث عن بدائل عاجلة.

​تفاصيل القرار السعودي وتوقف الشحن من ميناء ينبع

​أفادت مصادر في قطاع تجارة النفط والشحن البحري لرويترز أن المملكة العربية السعودية أبلغت زبائنها في القارة الأوروبية بإلغاء بعض شحنات النفط الخام المقررة للتحميل خلال شهر سبتمبر. كما تقرر تعليق عمليات تحميل الشحنات النفطية من ميناء “ينبع” الرئيسي الواقع على البحر الأحمر.

وفي الوقت الذي امتنعت فيه شركة “أرامكو السعودية” عن التعليق المباشر على هذه الأنباء، تؤكد المعطيات الميدانية أن هذا القرار جاء نتيجة مباشرة للهجوم الذي تعرض له خط الأنابيب الصحراوي “الشرق-الغرب”، والذي اتهمت الرياض ميليشيات عراقية بتنفيذه.

​وكان هذا الخط ينوب عن الممر المائي الهام وتسبب إغلاقه في تحييد المنفذ الآمن الذي كان يقي المملكة من التبعات المباشرة لإغلاق مضيق هرمز على مدار الأشهر الستة الماضية.

ورغم أن التقديرات لم تحدد بشكل دقيق المدى الزمني لتوقف شحنات ينبع أو العدد النهائي للشحنات المُلغاة متجهةً نحو أوروبا، إلا أن تجاراً أشاروا إلى أن السعودية ستسعى للتعويض عبر زيادة الصادرات من خلال مضيق هرمز عبر استغلال ما يُعرف بـ “الشحنات المظلمة” (Dark Shipments)، على غرار الآليات التي تعتمدها دولة الإمارات العربية المتحدة والعراق.

وتسمح هذه الأساليب لمصنعي النفط في الخليج بتصدير ما بين 7 إلى 9 ملايين برميل يومياً، وهو ما يمثل حوالي 30% إلى 40% من مستويات التصدير التي كانت سائدة قبل اندلاع النزاعات.

​قفزة قياسية في أسعار النفط الفوري والعقود الآجلة

​أحدث تقليص الإمدادات السعودية هزة فورية في أسواق النفط العالمية، حيث قفزت أسعار شحنات النفط الفيزيائي (الفوري) في أوروبا إلى أكثر من 130 دولاراً للبرميل يوم الثلاثاء، لتلاقرب بذلك المستويات القياسية التي سجلتها في شهر أبريل الماضي.

وترافق هذا الارتفاع مع تزايد الشكوك الناتجة عن اتساع رقعة الصراع الإقليمي وتأثير حرب إيران، يضاف إليها قيام ليبيا بتعشيق وتوقف العمليات في ثلاثة حقول نفطية داخل أراضيها، مما زاد المخاوف من استمرار تعطل خطوط التموين لأسابيع قادمة.

​وفي أسواق المزايدات، قفز سعر خام “فورنتس” الخاص ببحر الشمال إلى 136.75 دولار للبرميل وفق بيانات مؤسسة LSEG، مقترباً من أعلى مستوى تاريخي له البالغ 147.37 دولار والذي سُجل عقب اضطرابات حرب إيران.

أما في العقود الآجلة، فقد ارتفعت أسعار العقود بأكثر من 3 دولارات لتصل عقود خام برنت إلى حدود 110 دولارات للبرميل. بينما بلغ مؤشر برنت المؤرخ (Dated Brent) مستويات قريبة من 122 دولاراً للبرميل.

ويعزى التفاوت الصريح بين أسعار النفط الفوري والعقود الآجلة إلى حرص المشتريين على تأمين شحنات تسليم الأسابيع القليلة القادمة بشكل عاجل لمواجهة شح الإمدادات الحاضرة.

​جدير بالذكر أن بيانات حركة الملاحة الصادرة عن “Vortexa” أظهرت أن السعودية قامت بتعبيئة حوالي 22 مليون برميل من النفط الخام عبر 12 سفينة من مينائي “رأس تنورة” و”جعيمة” في الفترة الممتدة بين 7 و13 سبتمبر، مقارنة بـ 6 إلى 7 سفن أسبوعياً خلال الأسابيع الثلاثة التي سبقتها.

​ارتباك المصافي الأوروبية.. ومجموعة “أورلن” البولندية تبحث عن بدائل

​تسببت قرارات إلغاء الشحنات السعودية في وضع التكتلات النفطية والمصافي الأوروبية أمام حتمية البحث العاجل عن مصادر بديلة لتغطية النقص. وفي هذا الصدد، أفادت مصادر بالقطاع أن شركة النفط البولندية المتكاملة “أورلن” (Orlen PKN.WA) سارعت إلى دخول الأسواق المباشرة لشراء شحنات خام من بحر الشمال ومناطق أخرى لتعويض العجز الناجم عن انقطاع الواردات السعودية.

​وكانت شركة “أرامكو” قد أصبحت المورد الرئيسي لمجموعة “أورلن” منذ عام 2022، حيث تزن حصتها نحو 40% من إجمالي احتياجات الشركة من الخام، وهو ما ساعد بولندا سابقاً في التخلي عن النفط الروسي ولكنه جعلها في الوقت ذاته أكثر اعتماداً على الإمدادات السعودية.

وعلى الرغم من أن الشركة البولندية امتنعت عن الكشف عن تفاصيل صفقاتها التجاريّة، إلا أن متحدثاً باسمها أكد إدارة محفظة التموين لتأمين استمرار تشغيل مصافيها دون انقطاع، مشيراً إلى أن تعديل حجج الشراء يعد إجراءً قياسياً يمليه السوق وتغيرات ظروف الإنتاج.

​وقامت “أورلن” عبر مناقصات فورية يومي الجمعة والإثنين بشراء عدة خامات من بحر الشمال شملت خامات “غران” (Grane)، “جوهان سفيردروب” (Johan Sverdrup)، و”جوهان كاستبرغ” (Johan Castberg)، إضافة إلى دخول مناقصات للحصول على خام “WTI Midland” الأمريكي وخام “CPC Blend” الكازاخستاني.

وتدير “أورلن” وفروعها مصافي تكرير في بولندا وليتوانيا وجديد جمهورية التشيك. وأوضحت بيانات شركة تحليل البيانات “Kpler” أن ميناء غدانسك البولندي استقبل نحو 160,000 برميل يومياً من الخام السعودي منذ بداية العام، بينما استقبل ميناء “بوتينغي” الليتواني نحو 63,000 برميل يومياً.

المصافي الأوروبية تفتح خزاناتها لصحاري بليند

​تخلق هذه الأزمة الهيكلية في الإمدادات السعودية فرصة استراتيجية غير مسبوقة للموردين من شمال إفريقيا، وفي مقدمتهم الجزائر، لتلبية الطلب الأوروبي المتصاعد على النفط الخفيف والوسيط:

​توجه المصافي الأوروبية نحو النفط الجزائري: طرحت مجموعة “أورلن” البولندية مناقصة جديدة شملت خيارات شراء النفط الجزائري لشحنات شهر أكتوبر القادم، مما يفتح باباً واسعاً أمام خام “صحاري بليند” (Sahara Blend) للحلول كبديل آمن وسريع للشحنات السعودية المُلغاة.

​ميزة الموقوع الجغرافي واللوجستي: يمنح القرب الجغرافي للموانئ الجزائرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط أفضلية تنافسية كبرى للمصافي الأوروبية مقارنة بخامات الشرق الأوسط وبحر الشمال، حيث تُقلل شحنات النفط الجزائرية تكاليف الشحن وزمن التوريد وسط المخاطر الأمنية المتزايدة في الممرات المائية الحيوية.