بعد قفزة جانفي.. لماذا تراجعت صادرات الغاز المسال نحو تركيا في جوان؟

طاقة ومناجم

أظهرت البيانات الفصلية التفصيلية لواردات تركيا من الغاز الطبيعي المسال خلال النصف الأول من عام 2026 تفاوتا حادا ومنحنى بيانيا متذبذبا بشكل مثير للانتباه؛ فبعد أن سجلت الإمدادات قفزات تاريخية في بداية العام، عادت لتتراجع بشكل حاد مع حلول فصل الصيف.

هذا التذبذب الرقمي يفتح ملفا تحليليا هاما يتعلق بآليات إدارة العرض والطلب، وكيف يتعامل مجمع “سوناطراك” مع التقلبات الموسمية لضمان كفاءة التصدير دون التأثر بموجات الهبوط الدوري للأسواق الإقليمية.

لغز الأرقام: من ذروة الشتاء إلى أدنى مستوى في جوان

كشف التقرير الإحصائي الصادر عن وحدة أبحاث الطاقة عن فجوة رقمية ضخمة في سلوك السوق التركية الاستهلاكي بين فصلي الشتاء والصيف خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، وتتضح هذه الفجوة في محطتين رئيسيتين:

  • ذروة جانفي القياسية: سجلت الواردات التركية أعلى مستوياتها على الإطلاق خلال شهر جانفي بتسجيل 2.68 مليون طن، بارتفاع سنوي قياسي قدره 32%. هذا الانفجار في الطلب جاء لتغطية احتياجات التدفئة المنزلية القصوى وتشغيل محطات توليد الكهرباء لمواجهة موجات البرد القارس.
  • انكماش جوان الحاد: في المقابل، تراجعت الشحنات تدريجيًا لتبلغ أدنى مستوى لها على الإطلاق في شهر جوان عند 0.20 مليون طن فقط، وهو انخفاض حاد ونسبته 40% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، مدفوعًا بانتهاء الموسم الشتوي ودخول المصانع في فترات الصيانة الدورية.

اقرأ أيضاً: برقم قياسي جديد.. الجزائر تفرض هيمنتها الطاقوية على الأسواق التركية في 2026

كيف تدير سوناطراك “المرونة الفصلية” لحماية عائداتها؟

هذا التفاوت الضخم بين الربعين الأول والثاني لعام 2026 (حيث بلغت واردات الربع الأول 6.23 مليون طن بينما استقرت في الثاني عند 0.88 مليون طن فقط) لم يشكل صدمة لمجمع “سوناطراك”، بل يبرز نجاح المهندسين الجزائريين في إدارة ما يُعرف بـ “مرونة المحفظة التسويقية” عبر آليتين:

  1. إعادة توجيه الشحنات الفورية (Spot Cargoes): عندما ينخفض الطلب التركي في جوان، لا يتوقف الإنتاج في مركبات سكيكدة وأرزيو، بل تقوم سوناطراك بتوجيه ناقلاتها فوراً نحو أسواق بديلة تشهد ذروة استهلاك صيفية (مثل دول جنوب أوروبا كإسبانيا وإيطاليا لتشغيل مكيفات الهواء)، مستفيدة من عقودها المرنة.
  2. جدولة الصيانة التقنية المبرمجة: استغلال فترة انخفاض الطلب التركي والدولي في أشهر الصيف (ماي وجوان) لإجراء عمليات الصيانة الدورية لخطوط التمييع ووحدات الإنتاج، مما يضمن جاهزيتها القصوى للعمل بطاقتها الكاملة بمجرد عودة الطلب الشتوي للارتفاع.

اقرأ أيضاً: بالأرقام.. كيف تواجه سوناطراك دخول “موردين جدد” إلى سوق الغاز التركي؟

هندسة تجارية ذكية تحمي الثروة الوطنية

يثبت التباين الحاد في صادرات الغاز نحو تركيا بين جانفي وجوان أن تجارة الطاقة العالمية لا تعترف بالخطوط المستقيمة، بل تخضع لتقلبات الطبيعة والمناخ بشكل رئيسي. إلا أن القدرة العالية لمجمع سوناطراك على استيعاب هذه القفزات والانكماشات دون تسجيل خسائر تشغيلية، يبرهن على نضج الهندسة التجارية والتسويقية الجزائرية وقدرتها على التكيف الفوري مع سلوك المستهلك الدولي.

ومن زاوية الاستدامة الاقتصادية، فإن هذه المرونة تمنح الجزائر أفضلية استراتيجية تجعلها الشريك الأكثر أماناً للدول الصناعية؛ فالقدرة على ضخ كميات ضخمة في أوقات الأزمات الشتوية (كما حدث في جانفي) مع الحفاظ على التوازنات السعرية في أوقات الركود الصيفي، يرفع من القيمة السوقية للغاز الجزائري ويضمن استقرار الإيرادات المالية للخزينة العمومية على مدار فصول السنة كاملة.