​قرار قطري سيفتح خزائن أوروبا على مصرعيها للجزائر

طاقة ومناجم

تشهد أسواق الطاقة العالمية تحولات جيوسياسية وتدفقية غير مسبوقة، فرضت إعادة رسم خريطة التوريد نحو القارة الأوروبية، حيث برزت الجزائر كواحدة من أبرز القوى الطاقوية المستفيدة من تعثر الإمدادات القادمة من منطقة الخليج العربي

. ويأتي هذا التحول الهيكلي عقب القرار الاستراتيجي الصعب الذي اتخذته دولة قطر — ثاني أكبر مصدر للغاز المسال في العالم — بعدم إنشاء أي خطوط أنابيب جديدة لتفادي مضيق هرمز، إلى جانب تأجيل بعض مشروعات التوسعة الكبرى في “حقل الشمال الشرقي” للغاز المسال نتيجة للتوترات العسكرية وتأخر وصول المعدات الضرورية جراء أزمة الملاحة في المضيق.

​وقد انعكست هذه التطورات الجيوسياسية المعقدة بوضوح على حجم واردات الاتحاد الأوروبي؛ إذ فقدت القارة العجوز أغلب إمدادات الغاز المسال القطري منذ اندلاع الضربات والمواجهات العسكرية وإغلاق حركة الملاحة الكلية في مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي الذي يمر عبره في الأحوال الطبيعية نحو 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية.

وأسفر خروج جزء كبير من طاقة التصدير القطرية عن الخدمة — بما يعادل انخفاضاً قدره 5.1 مليار متر مكعب في واردات أوروبا من الغاز القطري خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 — عن حدوث فجوة طاقوية حادة سارعت الدول الأوروبية إلى تعويضها عبر زيادة الاعتماد على كبار الموردين البديلين والأقرب جغرافياً، وعلى رأسهم الجزائر والترويج والولايات المتحدة الأمريكية.

​مكاسب قياسية للجزائر وارتفاع الصادرات عبر الأنابيب والغازالمسال

​في ظل هذا المشهد الطاقوي المضطرب، نجحت الجزائر في ترسيخ مكانتها كمورد موثوق واستراتيجي للقارة الأوروبية، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة المتمثلة في شبكة الأنابيب المباشرة العابرة للبحر الأبيض المتوسط (مثل أنابيب “ميدغاز” و”ترانس ميد”)، إلى جانب أسطولها ومحطاتها لتسييل الغاز.

وأظهرت البيانات الحديثة الصادرة عن وحدة أبحاث “الطاقة” استناداً إلى بيانات “كبلر” (Kpler)، أن الجزائر رفعت صادراتها من الغاز المسال والغاز عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي بمقدار 1.1 مليار متر مكعب خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.

​وساهم هذا الارتفاع الملموس في سد جانب هام من النقص الحاد الناجم عن غياب الإمدادات القطرية، مما أدى إلى رفع حصة الغاز الجزائري في المزيج الطاقوي الأوروبي بشكل ملحوظ.

وتؤكد الأرقام أن القرب الجغرافي للجزائر وامتلاكها لخطوط أنابيب آمنة بعيدة عن نقاط الاختناق البحرية المهددة مثل مضيق هرمز، منحا الغاز الجزائري ميزة تنافسية استثنائية وأفضلية تفضيلية لدى المجمعات الطاقوية الأوروبية التي تسعى جاهدة لملء مخزوناتها الملازمة لمواسم الشتاء وتجنب صدمات الأسعار.

​تحولات الخارطة الأوروبية وبدائل الغاز المسال القطري

​لم تقتصر حركة تعويض الغاز القطري على الجزائر فحسب، بل شملت تحركات مكثفة من موردين آخرين لتغطية احتياجات السوق الأوروبية التي تستهلك سنوياً قرابة 335 مليار متر مكعب من الغاز بحسب تقديرات المجلس الأوروبي. وجاء توزيع حجم النمو في واردات الاتحاد الأوروبي من الموردين الرئيسيين خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 على النحو التالي:

  • النرويج: تصدرت قائمة الزيادة بـ 3.2 مليار متر مكعب عبر الأنابيب والغاز المسال، معززة موقعها كأكبر مصدر للغاز الطبيعي إلى الاتحاد.
  • الولايات المتحدة الأمريكية: رفعت صادراتها بمقدار 1.8 مليار متر مكعب في صورة غاز مسال، لتشكل شحناتها نحو 60% إلى 70% من إجمالي واردات الغاز المسال الأوروبية.
  • روسيا: سجلت زيادة بـ 1.5 مليار متر مكعب لتعويض جانب من الشحنات المفقودة رغم العقوبات والحظر التدريجي.
  • الجزائر: حققت زيادة بـ 1.1 مليار متر مكعب عبر الأنابيب والشحنات المسالة.
  • المملكةالمتحدة: زادت صادراتها بنحو 1 مليار متر مكعب عبر خطوط الربط المباشرة.
  • نيجيريا: رفعت شحناتها بمقدار 0.5 مليار متر مكعب في صورة غاز مسال.

​ورغم هذه الاضطرابات التوريدية، ظلت أحجام واردات الاتحاد الأوروبي الإجمالية من الغاز (شاملة الغاز المسال والأنابيب) مستقرة عند مستوى 200 مليار متر مكعب خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.

ورغم انخفاض واردات الغاز المسال الإجمالية بنسبة 3.5%، إلا أن ارتفاع الواردات عبر خطوط الأنابيب بنسبة 2.5% أسهم في توازن الأرقام النهائية للميزانية الطاقوية الأوروبية.

​عوائد مليارية

​تترجم هذه الأرقام الحجمية إلى مكاسب مالية واقتصادية ضخمة للجزائر؛ فالسوق الأوروبية تُعد من أعلى الأسواق العالمية قيمة من حيث مستويات الأسعار، خصوصاً في فترات إعادة بناء المخزونات وتحسباً لشتاء قارس.

وتُقدر القيمة المالية الإجمالية لتجارة الغاز في الاتحاد الأوروبي بنشرات تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، حيث تعتمد القارة على الواردات الخارجية لتغطية أكثر من 85% من إجمالي استهلاكها المحلي للغاز، وهي نسبة مرشحة للارتفاع إلى 98% بحسب تقديرات شركة الأبحاث “وود ماكنزي” مع تراجع الإنتاج المحلي وتوقف الاستثمارات في الحقول القديمة.

​ومع ارتفاع النسبة المئوية للغاز المسال في الواردات الأوروبية من 20% في عام 2021 إلى نحو 45% في عام 2025 و2026، فإن العقود الجزائرية المبرمة — سواء المرتبطة بأسعار النفط الخام أو بأسعار مراكز التداول الأوروبية (مثل TTF) — حققت عوائد إضافية هامة للخزينة العمومية للبلاد.

إن ضخ زيادة قدرها 1.1 مليار متر مكعب في غضون ثمانية أشهر فقط يعني توفير تدفقات مالية بالعملة الصعبة تُقدر بمئات الملايين من الدولارات، مما يعزز ميزان المدفوعات الجزائري ويوجه موارد مالية جديدة لدعم مشاريع التنقيب والاستكشاف وتطوير حقول غازية جديدة في الصحراء الجزائرية.

​آفاق مستدامة للغاز الجزائري في المعادلة الدولية

​تؤكد المعطيات الراهنة أن قرار قطر بوقف التوسعات مؤقتا وتفادي إنشاء أنابيب تجنب الملاحة عبر هرمز — حيث تسببت الضربات في خروج 17% من طاقتها التصديرية وتضرر وحدات معالجة الغاز في “رأس لفان” مما يتطلب بين 3 إلى 5 سنوات للإصلاح الكامل — يمنح الجزائر نافذة زمنية استراتيجية واعدة لترسيخ العقود طويلة الأجل مع الشركاء الأوروبيين مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا سلوكاً وتنفيذاً.

​إن اعتماد الاتحاد الأوروبي المتزايد على خطوط الأنابيب الآمنة يسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للجزائر كمزود لا غنى عنه للأمن الطاقوي الأوروبي.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه التكاليف اللوجستية ومخاطر الشحن البحري عبر المضايق الدولية، تستفيد الجزائر من موقعها الأقرب جغرافياً لتوفير إمدادات غازية منخفضة الانبعاثات وأقل تكلفة لنقلها، مما يضمن استدامة التدفقات الماليّة ورفاهية القطاع الاقتصادي الوطني على المدى المتوسط والطويل.