في الوقت الذي يتسابق فيه العالم نحو تأمين مصادر الطاقة البديلة وتكنولوجيا العصر، بدأت الجزائر في رسم ملامح خارطة منجمية جديدة كلياً، تهدف إلى إنهاء عقود من “التبعية المطلقة” لعائدات النفط والغاز.
خطوة الجزائر الأخيرة بالتحالف مع دولة تشيلي لإحياء اللجنة المشتركة للتعاون المنجمي، ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل هي “إعلان نية” لدخول نادي الكبار في إنتاج معادن المستقبل.
تشيلي، التي تسيطر وحدها على ربع الإنتاج العالمي من النحاس وتتربع على أضخم احتياطيات “الليثيوم” (عصب صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية)، تمثل الشريك المثالي للجزائر في هذه المرحلة الحساسة.
باطن الأرض الجزائري.. ثروات نائمة تنتظر الاستيقاظ
لطالما وصف الجيولوجيون وخبراء المعادن عبر العقود الماضية تحت الأرض الجزائرية بأنه “قارة بكر” غير مستغلة بالشكل الكافي. ورغم أن التركيز انصب لسنوات على مشاريع عملاقة مثل الحديد (غارا جبيلات)، الفوسفات، والزنك، إلا أن الرهان القادم بات يتركز على الثروات “الناعمة والحرجة” مثل النحاس، الذهب، والاتربة النادرة التي تنام في صمت بانتظار استغلال منهجي منظم.
وتسعى وزارة الطاقة والمناجم من خلال هذا التقارب، الذي تجسد في اللقاء الرفيع بين وزير المناجم وممثلي الدبلوماسية التشيلية في الجزائر، إلى تأسيس فريق عمل تقني مشترك لنقل المعرفة والتكنولوجيا. فالأمر لا يتوقف عند حدود الاستخراج، بل يمتد إلى 3 محاور جوهرية تعول عليها الدولة:
- التنقيب والتقييم العلمي: باستخدام أحدث التكنولوجيات التشيلية لتحديد حجم الاحتياطيات بدقة.
- الاستخراج الصديق للبيئة: تطوير تقنيات تعدين ذات أثر بيئي منخفض، وهو المطلب العالمي الجديد.
- التصنيع المحلي: الانتقال من تصدير المادة الخام إلى “التثمين والتحويل المحلي” لخلق قيمة مضافة وفرص عمل حقيقية للشباب الجزائري.
كسر “قيد الريع النفطي” بأمر سيادي
الرئيس عبد المجيد تبون أكد في مناسبات عدة أن قطاع المناجم لم يعد قطاعاً ثانوياً أو هامشياً في الجزائر، بل تم تصنيفه رسمياً كأحد المحركات المركزية للسيادة الاقتصادية. فالهدف الاستراتيجي هو بناء اقتصاد متعدد الأذرع يمتلك مرونة كافية لمواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
دخول تشيلي على خط تطوير الكفاءات الهندسية الجزائرية وتحديث الأطر التشريعية والقانونية المنظمة للاستثمار المنجمي، سيمنح الجزائر قفزة نوعية في “الموجة التعدينية الثانية”. إنها خطوة تؤكد أن الجزائر لا تريد فقط استخراج معادنها، بل تريد أن تفعل ذلك بأعلى كفاءة ممكنة لتصبح رقماً صعباً في سوق التكنولوجيا والتحول الطاقوي العالمي.



