تشهد العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وأنقرة “انفجارا” إيجابيا غير مسبوق، حيث لم تعد الشراكة مجرد بروتوكولات دبلوماسية، بل تحولت إلى واقع صناعي وتجاري يفرض نفسه بقوة على الساحة الوطنية.
وفي خطوة تؤسس لعهد جديد من التكامل، كشف منتدى الأعمال الجزائري-التركي بأنقرة عن أرقام تعكس الثقة العمياء للمستثمر التركي في السوق الجزائرية، تزامنا مع الزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى تركيا، مما يفتح الأبواب أمام تدفق استثماري هو الأضخم من نوعه، يستهدف خلق قيمة مضافة حقيقية وبعث نهضة صناعية وفلاحية شاملة في مختلف ولايات الوطن.
منذ صدور قانون الاستثمار الجديد، تحولت الجزائر إلى “مغناطيس” للشركات التركية التي وجدت في التسهيلات الأخيرة بيئة خصبة للنمو والتوسع. وأكد المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، السيد عمر ركاش، أن الوكالة سجلت رسميا 90 مشروعا استثماريا تركيا دخلت حيز التنفيذ، وهي مشاريع تتنوع بين الصناعات الثقيلة والتحويلية والنسيج، مما يعكس الجاذبية العالية للسوق المحلية وقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار والاستدامة.
ولا تقتصر هذه المشاريع على الكم العددي فحسب، بل تمتاز بنوعية التكنولوجيا المنقولة، حيث يسعى المستثمرون الأتراك إلى ترسيخ دور القطاع الخاص كشريك أساسي في التنمية المستدامة.
هذا الإقبال الكبير جاء نتيجة الإصلاحات العميقة التي باشرتها الدولة الجزائرية تحت المتابعة المباشرة لرئيس الجمهورية، والتي تهدف إلى تذليل كافة العقبات البيروقراطية وتوفير ضمانات قانونية تحمي المستثمر وتمنحه الرؤية الواضحة لسنوات قادمة، مما جعل الجزائر الوجهة الاستثمارية الأولى لتركيا في القارة الإفريقية.
🔴 إقرأ أيضا: تحرك اقتصادي ضخم.. الجزائر تفتح طريق 10 مليارات دولار مع هذه الدولة
هذا الزخم الاستثماري يعزز من الديناميكية الاقتصادية الوطنية، حيث تسعى الوكالة من خلال هذه المشاريع الـ 90 إلى خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، مع التركيز على الولايات الداخلية لتقليص الفوارق التنموية.
إن النجاح الذي حققته الشركات التركية الرائدة في الجزائر، مثل “توسيالي” و”تيايست”، أصبح اليوم نموذجا يحتذى به، مما دفع بموجة جديدة من رجال الأعمال الأتراك للمطالبة بموطئ قدم في الاقتصاد الجزائري الواعد، مستفيدين من تكلفة الطاقة التنافسية والموقع الجغرافي الاستراتيجي كبوابة نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية.
30 شركة في قاعة الانتظار.. خارطة طريق لشراكات “عالمية”
لم يتوقف الطموح التركي عند المشاريع القائمة، بل كشف منتدى أنقرة عن وجود نحو 30 شركة تركية كبرى بصدد تجسيد مشاريع جديدة وهي حاليا قيد الدراسة المعمقة لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار.
هذه الشركات تمثل الجيل القادم من الشراكة الثنائية، حيث تركز في ملفاتها على قطاعات استراتيجية كالابتكار والتكنولوجيا والرقمنة، وهي المجالات التي تراهن عليها الجزائر لبناء اقتصاد تنافسي لا يعتمد بشكل كلي على ريع المحروقات، بل يقوم على المعرفة والإنتاج التقني المتطور.
وتسير هذه الشركات وفق خارطة طريق دقيقة تهدف إلى التكامل مع النسيج الصناعي الجزائري الحالي، حيث يتم دراسة كل مشروع بناءً على قدرته في خلق “خلايا مناولة” محلية تدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر.
الاستعداد الذي أبدته الوكالة لمرافقة هذه الشركات الـ 30 يعكس إرادة سياسية قوية في تحويل الوعود إلى استثمارات منتجة على أرض الواقع، مع توفير كل الشروط الكفيلة بإنجاح هذه المشاريع وضمان أثرها الاقتصادي الملموس على ميزان المدفوعات الجزائري من خلال تقليص الواردات وزيادة فرص التصدير.
🔴 إقرأ أيضا: دفعة جديدة للصادرات الجزائرية.. تحركات لاقتحام سوق آسيوية واعدة
الانتقال من مرحلة الدراسة إلى التجسيد لهذه الشركات الثلاثين سيشكل قفزة نوعية في حجم التبادل التجاري، حيث يتوقع الخبراء أن تساهم هذه الاستثمارات في ترقية الابتكار وتطوير النسيج الفلاحي الجزائري عبر إدخال تقنيات الري والمكننة التركية المتطورة.
إن تزايد عدد الطلبات من قبل المتعاملين الأتراك يعكس “ثقة سيادية” في مستقبل الاقتصاد الجزائري، ويؤكد أن الشراكة بين الجزائر وأنقرة أصبحت ركيزة أساسية في استراتيجية الجزائر الجديدة للانفتاح على الاقتصاد العالمي وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية التي تخدم مصلحة الشعبين.
منتدى أنقرة.. منصة لبناء “السيادة الصناعية” المشتركة
شكل منتدى الأعمال المنظم في العاصمة التركية أنقرة، بمشاركة أكثر من 300 متعامل اقتصادي من البلدين، منصة حقيقية لترسيخ دور القطاع الخاص كقاطرة للنمو، حيث دعا السيد عمر ركاش بوضوح إلى تعزيز الشراكة الثنائية لتتجاوز مجرد التبادل التجاري البسيط نحو التصنيع المشترك.
هذا اللقاء الذي جرى في إطار زيارة الدولة للرئيس تبون، حمل رسائل طمأنة قوية للمستثمرين الأتراك بأن الجزائر اليوم هي “أرض الفرص” التي لا تعترف بالعوائق، وأن الدولة مستعدة لتوفير عقارات صناعية ومزايا ضريبية غير مسبوقة لكل من يساهم في بناء قاعدة صناعية وطنية مستدامة.
النقاشات التي دارت في أروقة المنتدى كشفت عن رغبة تركية في نقل مراكز تصنيع كبرى من أنقرة وإسطنبول إلى المدن الجزائرية، للاستفادة من المزايا التنافسية الكبيرة التي يوفرها قانون الاستثمار الجديد.
ومن جانبه، ركز الوفد الجزائري على عرض المقومات التي تجعل من الجزائر وجهة استثمارية واعدة، لا سيما في قطاعات الطاقة المتجددة والصناعات الكيميائية، مشددين على أن الهدف هو بناء اقتصاد منفتح يقوم على التكامل وخلق فرص الشراكة الحقيقية التي تضمن الربح للطرفين وتساهم في استقرار الأسواق الإقليمية.
🔴 إقرأ أيضا: أكبر سوق في العالم يفتح أبوابه للجزائر برسوم “صفرية”
وفي ختام هذا الحدث الاقتصادي الضخم، جددت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار التزامها بتقديم مرافقة “شخصية” لكل مستثمر تركي يرغب في دخول المغامرة الجزائرية، معتبرة أن نجاح أي شركة تركية هو نجاح لسياسة الاستثمار الجزائرية.
إن الروح الإيجابية التي سادت المنتدى تؤكد أن الجزائر وتركيا بصدد كتابة فصل جديد من التاريخ الاقتصادي المشترك، حيث يتم تحويل الفرص المتاحة إلى استثمارات حقيقية تلمس حياة المواطن وتدعم قوة الدولة الجزائرية في المحافل الاقتصادية الدولية، مما يجعل من “الغزو” الاقتصادي التركي حليفاً استراتيجياً في مسيرة البناء والتشييد.



