سجلت أسعار الأرز في القارة الآسيوية أكبر قفزة شهرية لها في نحو عقدين من الزمن خلال شهر مايو الجاري، وسط مخاوف دولية متصاعدة من استمرار هذا الارتفاع الجنوني جراء تضافر مخاطر الطقس القاسي، والزيادات الحادة في تكاليف الطاقة والأسمدة الناجمة عن الحروب المستعرة لعام 2026.
وقفز سعر الأرز الأبيض التايلندي —الذي يُعد المرجع الأساسي للأسعار في آسيا— بنسبة قياسية بلغت 20% خلال شهر مايو فقط، في أكبر ارتفاع شهري تشهده الأسواق وفق البيانات التاريخية التي تعود إلى عام 2008. وفي السياق ذاته، لم تكن الأسواق الأمريكية بمعزل عن هذه الصدمة؛ حيث صعدت العقود الآجلة للأرز في بورصة شيكاغو للسلع بنسبة 15% خلال هذا الشهر.
ظاهرة “إل نينيو” الحارقة وتهديد شبه إغلاق مضيق هرمز
أكدت بين هوي أونغ، محللة السلع الأولية لدى مؤسسة “بي إم آي” (BMI) التابعة لـ”فيتش سوليوشنز”، أن أسعار الأرز مرشحة لمواصلة اتجاهها الصعودي القوي في الأسواق الدولية. وأوضحت أن ظاهرة “إل نينيو” المناخية المتوقعة، والتي قد تجلب طقساً شديد الحرارة والجفاف إلى أجزاء واسعة من قارة آسيا، تُمثل عاملاً إضافياً خطيراً يهدد مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ويدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
ومع استمرار الاضطراب الحاد في إمدادات الوقود والأسمدة الحيوية نتيجة شبه إغلاق مضيق هرمز الإستراتيجي أمام حركة الملاحة، يستعد المزارعون في أنحاء آسيا المعتمدة على الواردات لمواجهة تكاليف إنتاج باهظة بدأت تؤثر فعلياً على محصول الأرز، الذي يمثل الركن الأساسي للأمن الغذائي واقتصادات المنطقة التي تقودها دول كبرى في التصدير مثل تايلندا وفيتنام والهند.
المزارعون يهربون من الحقول والأسمدة تقفز بـ 50%
ومع انطلاق موسم زراعة المحصول الرئيسي، اضطر العديد من المزارعين إلى اتخاذ قرارات قاسية بإلغاء أو تأجيل دورات الزراعة؛ حيث صرح المزارع الفيتنامي “تران فان بي باي” (60 عاماً) بأنه قرر تجاوز إحدى دورات الزراعة الثلاث السنوية بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار الأسمدة والحرارة المرتفعة التي تجعل الزراعة غير مجدية وتضر بالنباتات، خصوصاً وأن الأرز يُعد من المحاصيل الكثيفة الاستهلاك للأسمدة ومضخات الري التي تعمل بوقود الديزل المفقود.
وحسب بيانات المعهد الدولي لبحوث الأرز، فقد ارتفعت أسعار الأسمدة النيتروجينية في تايلندا وكمبوديا والفلبين بنسب تتراوح بين 40% إلى 50% منذ اندلاع الحرب في فيفري المنصرم. وحذر أليشر ميرزاباييف، كبير العلماء في المعهد، من أن مخزونات الدول التي أمنتها خلال الفترة من مارس إلى ماي بدأت تنفد، وأن نقصاً حاداً في الإمدادات سيظهر قريباً في الأسواق ما لم تتراجع الأسعار إلى طبيعتها.
ميدانياً، حذرت الفلبين (أكبر مستورد للأرز في العالم والتي علقت الشراء مؤخراً لمدة 60 يوماً) من أن ظاهرة “إل نينيو” القوية قد تعصف بإنتاج الأرز غير المقشور وتخفضه بما يصل إلى 700 ألف طن (أي ما يعادل 3.5% من مستهدفها السنوي)، وهو ما سينعكس مباشرة على تقليص المعروض العالمي. ورغم هذه المؤشرات الحمراء، يرى بيتر كلوب، محلل الأسواق لدى المجلس الدولي للحبوب، أن وفرة المخزونات لدى المنتج العالمي الرئيسي “الهند” وضعف الطلب العالمي نسبياً قد يساهمان مؤقتاً في كبح جماح الارتفاعات القياسية اللامحدودة.
وتُثبت أزمة الأرز الحالية مدى ارتباط الأمن الغذائي العالمي بسلامة الممرات البحرية وسلاسل إمداد الطاقة. ومن شأن استمرار الحصار الملاحي في مضيق هرمز أن يعيد صياغة أسعار السلع الأساسية لعام 2026، مما يضع الحكومات المستوردة أمام تحدٍّ مصيري لتأمين غذاء شعوبها والبحث عن قنوات تموين بديلة ومستدامة بكفاءة وأمان.



