أحدث التقرير الأخير لوحدة أبحاث الطاقة لعام 2026 هزة في قراءات الخرائط الجيوسياسية لأسواق الغاز في منطقة حوض المتوسط؛ فإلى جانب التأكيد على الوصافة التاريخية للجزائر في تموين السوق التركية، كشفت البيانات عن تغير ملامح خارطة المنافسة بدخول لاعبين أفارقة جدد لأول مرة إلى خطوط الإمداد المتجهة نحو أنقرة.
هذا التحول يضع استراتيجيات التسويق والإنتاج في مجمع “سوناطراك” تحت مجهر التحليل لمعرفة كيف ستحافظ الجزائر على ريادتها أمام هذا الصعود الإقليمي الجديد.
المفاجأة الكبرى: موريتانيا وأنغولا تدخلان خط المنافسة التركي
حمل النصف الأول من عام 2026 مفاجأة من العيار الثقيل لأسواق الطاقة، تمثلت في تسجيل دخول رسمي أول لدولة موريتانيا إلى سوق الغاز الطبيعي المسال التركي، مستفيدة من بدء تدفقات إنتاج حقولها البحرية الحديثة.
وقد وزعت خارطة المنافسين الجدد والتقليديين حصصها خلف العملاق الجزائري على النحو التالي:
- موريتانيا (الوافد الجديد): احتلت المرتبة الرابعة فوراً بصادرات بلغت 0.29 مليون طن في أول ظهور رسمي لها بأنقرة.
- غينيا الاستوائية: ضخت 0.21 مليون طن لتعزيز حضورها في أسواق شرق المتوسط.
- أنغولا: تجاوزت عتبة 0.20 مليون طن مستهدفة الأسواق الصناعية التركية.
- سلطنة عُمان ودول أخرى: ساهمت بتوفير نحو 0.37 مليون طن من إجمالي الإمدادات.
اقرأ أيضاً: برقم قياسي جديد.. الجزائر تفرض هيمنتها الطاقوية على الأسواق التركية في 2026
كيف تحمي الجزائر حصتها السوقية أمام التمدد الإفريقي؟
رغم أن هذا الصعود الجماعي لدول غرب إفريقيا والشرق الأوسط أدى إلى تراجع طفيف في حصة الجزائر بنسبة 4.1%، إلا أن الخبراء يرون أن مجمع “سوناطراك” يمتلك مصدات لوجستية وتجارية متينة تجعل صدارته في مأمن من المنافسة الناشئة، وترتكز هذه القوة على محورين:
- فارق الخبرة والبنية التحتية: تمتلك الجزائر أساطيل ناقلات غاز مسال ضخمة وحديثة (مثل الناقلة العملاقة تسالة وغيرها)، بالإضافة إلى مركب تمييع الغاز في سكيكدة وأرزيو. هذه البنية التحتية تتيح مرونة وسرعة في الشحن لا تملكها الدول حديثة العهد بالتصدير مثل موريتانيا، والتي لا تزال تعتمد على منصات إنتاج وتسييل عائمة ومحدودة السعة.
- عقود الثقة طويلة الأجل: تتميز العلاقات التجارية بين سوناطراك وشركة “بوتاش” التركية الحكومية بالطابع الاستراتيجي الممتد لسنوات، وهي عقود محمية ببنود تضمن حصصاً ثابتة للجزائر، مما يجعل الدخول الجديد للمنافسين مقتصراً على تغطية “السوق الفورية والطلبيات الثانوية” دون المساس بالعمود الفقري للحصة الجزائرية.
اقرأ أيضاً: بعد قفزة جانفي.. لماذا تراجعت صادرات الغاز المسال نحو تركيا في جوان؟
ريادة جزائرية محصنة بالمرونة اللوجستية
يثبت ظهور قوى غازية جديدة مثل موريتانيا وأنغولا في السوق التركية أن قطاع الطاقة العالمي يمر بمرحلة إعادة تشكيل متسارعة، إلا أن الجدار التسويقي واللوجستي الذي بناه مجمع سوناطراك على مدار العقود الماضية يبدو عصياً على الاختراق السريع. إن بقاء الجزائر كمرجعية ثانية وثابتة لتركيا خلف الولايات المتحدة يؤكد أن الجودة والموثوقية الجزائرية تظل الخيار الأول للاقتصاد التركي.
ومن زاوية النظرة الاستشرافية، فإن هذا التنافس الإقليمي الجديد يفرض على قطاع الطاقة الوطني مواصلة الاستثمار في تسريع وتيرة الاستكشافات وتطوير الحقول الحالية لرفع الطاقات الإنتاجية التنافسية. كما أن الحفاظ على هذه الصدارة يبعث برسالة واضحة لكافة الشركاء الدوليين؛ مفادها أن الجزائر ليست مجرد عابر سبيل في سوق الغاز، بل هي لاعب استراتيجي يمتلك كل المقومات التقنية واللوجستية للحفاظ على مصالحه الحيوية وريادته الإقليمية مهما تغيرت خارطة المنافسين.



